روايات وقصص

بعد الطلاق شافني طليقي

فضل ساكت.

كملت:

— سألتك لو كان عندك فرصة تانية، كنت هتتجوزني؟ قلت لأ. وقلت إنك لو ماكنش عندك بنت مني، ماكنتش حتى هتفتكر اسم عيلتي.

بدأت عيناه تتحركان بعيدًا عني.

كأنه بيدور في ذاكرته على الليلة دي.

قال بصوت أقل حدة:

— لو قلت الكلام ده، فأنا ماكنتش في وعيي.

— لكن تاني يوم سألتني إذا كنت قلت كلامًا فارغًا. وأنا كذبت وقلتلك لأ، لأن جزءًا مني كان مستنيك تفتكر لوحدك… أو على الأقل تلاحظ إني اتكسرت.

— مريم…

— ما لاحظتش. وفضلت شهور تتعامل معايا كأني موجودة لخدمتك. ولما بدأت أرجع لنفسي، حاولت توقفني.

قام من مكانه ومشى ناحية الشباك.

لأول مرة، ماكانش عنده رد جاهز.

بعد صمت طويل قال:

— يعني إنتِ قررتِ الطلاق بسبب كلام واحد قلته وأنا سكران؟

— لأ. الكلام بس فتح عيني. إنما الطلاق سببه كل حاجة حصلت بعده.

لف ناحيتي وقال:

— وفكرتِ في ليلى؟

— بفكر فيها أكتر منك. ومش عايزاها تكبر وهي فاكرة إن الست علشان تحافظ على بيتها لازم تختفي.

— وأنا مش هوافق.

— الطلاق مش مسابقة مين يوافق الأول. إحنا ممكن ننهي كل شيء باحترام، ونفضل أب وأم كويسين لبنتنا.

ظل ينظر لي فترة.

وبعدين حمل حقيبته واتجه للباب.

قبل ما يخرج، وقف وقال:

— هتندمي يا مريم.

قلت:

— ممكن… لكن على الأقل هيبقى ده اختياري أنا.

خرج وقفل الباب.

المرة دي، ما جريتش وراه.

وما انهرتش.

قعدت على الكرسي، وحطيت إيدي على فمي علشان ليلى ما تسمعش صوت بكائي.

كنت قوية قدامه…

لكن بعد خروجه بكيت على كل حاجة.

على سنين جوازنا.

على الأحلام اللي بدأت كبيرة وانتهت في ملف عند محامية.

وعلى نفسي القديمة اللي فضلت تستنى كلمة تقدير ماجتش.

في الصباح، روحت للمحامية.

شرحتلها كل حاجة.

قالت لي إن الأفضل نحاول نوصل لاتفاق هادئ يحفظ حقوق ليلى، ويمنعها من الدخول في حرب بين أبوها وأمها.

وده كان كل اللي أريده.

لكن طليقي المستقبلي رفض في البداية.

كان متأكد إني هتراجع.

مرت أسابيع وهو يبعث رسائل قصيرة:

«فكري كويس.»

«ليلى محتاجة بيتًا مستقرًا.»

«مش كل مشكلة حلها الطلاق.»

كنت أرد بجملة واحدة:

«أنا مستعدة نتكلم في اتفاق يحفظ مصلحة بنتنا.»

لم يسأل مرة واحدة:

«إيه اللي ممكن أعمله علشان أصلح اللي بينا؟»

كان كل كلامه عن تراجعي أنا.

كأن المشكلة مش في علاقتنا…

المشكلة إنني توقفت عن الطاعة.

بعد شهرين، وافق يقابل المحامية.

اتفقنا إن ليلى تفضل معايا علشان مدرستها، وهو يشوفها في عطلة نهاية الأسبوع، ويكلمها وقت ما يحب.

ما طلبتش منه البيت.

ولا عربيته.

ولا أي شيء اشتراه قبل جوازنا.

كل اللي طلبته كان حقوق بنتنا، ونصيبي القانوني والشرعي من غير زيادة ولا انتقام.

يوم التوقيع، كنا قاعدين قدام بعض.

القلم كان في إيده، لكنه ماكتبش.

سألني:

— دي آخر فرصة… متأكدة؟

نظرت له.

كان مرهقًا.

وعيناه حمراوين من قلة النوم.

للحظة، افتكرت أول يوم اتقدملي فيه.

كان واقف قدام أبويا ومرتبك، وبيوعده إنه هيصونني.

ماكانش رجلًا سيئًا.

لكنه اتعود على وجودي لدرجة إنه نسي يشوفني.

قلت بهدوء:

— متأكدة إننا ماينفعش نكمل بالشكل ده.

— ممكن نتغير.

— مين فينا؟

سكت.

سألته:

— كنت هتسيب شغلك علشاني؟

رد بسرعة:

— دي حاجة مختلفة.

هزيت راسي.

— علشان كده إحنا هنا.

وقّع.

ووقّعت بعده.

خرجنا من المكتب غرباء يحملان اسم طفلة واحدة.

وقبل ما نمشي، قال:

— أتمنى الشغل اللي اخترتيه يكون مستاهل.

قلت:

— أنا ما اخترتش الشغل مكانك… أنا اخترت نفسي لما إنت رفضت تشوفها.

ومشيت.

في أول ليلة بعد الطلاق، نامت ليلى جنبي.

سألتني:

— بابا مش هيعيش معانا تاني؟

حضنتها بقوة.

— لأ يا حبيبتي، لكنه هيفضل باباكي وهيفضل يحبك.

— وإنتِ بتحبيه؟

السؤال فاجأني.

قلت لها:

— فيه ناس بنفضل نتمنى لهم الخير حتى لو ماعدناش نقدر نعيش معاهم.

فكرت شوية، وبعدها سألت:

— يعني إحنا لسه عيلة؟

بوست جبينها.

— طبعًا. شكل العيلة اتغير بس، إنما حبنا ليكي عمره ما هيتغير.

مرت الشهور.

في البداية، الحياة ماكنتش سهلة.

كنت بصحى قبل الفجر أحيانًا علشان أخلص شغلي.

أوصل ليلى المدرسة، وأجري على الموقع، وأرجع أطبخ وأذاكر معاها.

كنت بتعب.

وساعات كنت ببكي في الحمام علشان ما تشوفنيش.

لكن كل يوم كان بيعدي، كنت بحس إني أقوى.

مشروع الشارع الثقافي نجح نجاحًا كبيرًا.

المكتبة بقت تستقبل مئات الزوار.

والمسرح الصغير بدأ يستضيف عروضًا وندوات.

وصلتني مشروعات جديدة، وبعد سنة فتحت مكتب تصميم صغيرًا باسمي.

علّقت على بابه لافتة مكتوبًا عليها:

«مريم منصور للتصميم الداخلي وإعادة إحياء المساحات.»

وقفت قدامها مع ليلى.

كانت ماسكة باقة ورد صغيرة، وقالت بفخر:

— ده مكتب ماما.

ضحكت وحضنتها.

— أيوه… مكتبنا.

أما أبوها، فكان ملتزمًا بمواعيدها.

في البداية كان كلامنا مقتصرًا على المدرسة والطبيب ومواعيد الزيارة.

مع الوقت، بدأ يتغير معها.

اتعلم يعمل لها فطار.

ويحفظ اسم معلمتها.

ويعرف ميعاد دوائها.

في مرة، رجعت ليلى من عنده وهي مبسوطة وقالت:

— بابا عمللي مكرونة لوحده!

قلت وأنا أضحك:

— وأكلتيها؟

— أيوه… بس كانت ملزقة شوية.

كان بيتعلم يكون أبًا من غير ما أكون موجودة أذكّره بكل شيء.

أما أنا، فكنت بتعلم أعيش من غير ما أقيس قيمتي برأي شخص آخر.

ظننت أن قصتنا انتهت عند ذلك الحد.

لكن بعد الطلاق بسنة ونصف، نزل عدد المجلة الذي غيّر كل شيء.

كنت في المكتب لما اتصلت بيا الصحفية.

قالت بحماس:

— العدد نزل النهارده، وشكله رائع. لازم تشوفيه بنفسك.

بعد ساعة، دخلت إحدى الموظفات وهي تحمل نسخًا من المجلة.

كانت صورتي على الغلاف.

واقفة وسط المكتبة اللي صممتها، لابسة بدلة بسيطة، وفي إيدي المخططات.

وفوق صورتي عنوان كبير:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى