
— أيوه.
— من إمتى؟
— من أول ما بدأت المشروع.
— وليه ماقولتيليش؟
ضحكت من غير فرحة.
— كل مرة كنت بحاول أكلمك عن شغلي، كنت بتقلل منه. لما وقعت أول عقد، رجعت لقيتك زعلان علشان الغدا مش جاهز. ولما نجحت أول مرحلة، قلتلي إن أي حد ممكن يستغنى عني.
قفل العقد بعصبية.
— يعني كنتِ بتخبي فلوس عني؟
— أنا ما خبيتـش. إنت ما سألتش.
قال بحدة:
— فلوس الزوجة في بيت جوزها مش سر.
— وقرار نقل حياة الأسرة كلها مش سر برضه… لكنك أخدته من غيري.
سكت.
واضح إنه ما لقاش ردًا.
وفي اللحظة دي، خرجت ليلى من أوضتها وهي ماسكة عروستها.
بصت بينا بخوف وسألت:
— إنتوا بتتخانقوا؟
انحنيت بسرعة وحضنتها.
— لأ يا حبيبتي، بنتكلم بس.
لكن جوزي شال حقيبته وقال ببرود:
— قولي لماما إن العناد ليه تمن.
وبعدين خرج.
الباب اتقفل وراه، وليلى اترعشت بين إيديا.
سألتني:
— بابا زعلان مني؟
قلبي اتكسر.
— لأ يا روحي، بابا عمره ما يزعل منك.
— أمال مشي ليه؟
مسحت دموعها وقلت:
— عنده شغل بعيد شوية، لكنه هيفضل يكلمك ويجيلك.
نامت ليلى في حضني الليلة دي.
أما أنا، فما نمتش.
فضلت قاعدة قدام اللابتوب لحد الفجر.
وفي الساعة الخامسة، فتحت حسابًا بنكيًا منفصلًا، ونقلت له فلوس شغلي.
وبعدها كتبت قائمة بكل مصاريف البيت والمدرسة.
لأول مرة، ماكنتش بستعد لحياة جوزي…
كنت بستعد لحياتي أنا.
مر أسبوع.
اتصل ببنته كل يوم تقريبًا.
كان يتكلم معاها بحنان، وبعدها يطلب منها تديني الموبايل.
لكن أول ما أمسكه، كان يسأل سؤالًا واحدًا:
— قررتِ إمتى هتلحقوني؟
وكنت أرد:
— إحنا مش جايين.
فيقفل الخط.
مر أسبوع تاني، وبعدين تالت.
بدأ المشروع ياخد كل وقتي.
والصحفية اللي قابلتني في الافتتاح أجرت معايا حوارًا طويلًا.
صورتني جوه المكتبة، وسألتني عن سبب رجوعي للشغل بعد انقطاع سنين.
ترددت قبل ما أجاوب.
وبعدين قلت:
— ساعات الست ما بتسيبش حلمها لأنها ضعيفة… هي بس بتأجله علشان الناس اللي بتحبهم. لكن المشكلة إن الناس ممكن تتعود على تنازلها لدرجة إنهم ينسوا إن عندها حلمًا من الأساس.
الصحفية سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— الجملة دي هتبقى عنوان الحوار.
ما اهتمتش وقتها.
كنت فاكرة إن الحوار هينزل في صفحتين داخليتين، وينتهي الأمر.
لكن بعد شهر، اتصلت بيا الصحفية وهي بتتكلم بحماس:
— مريم، إدارة المجلة اختارت مشروعك للقصة الرئيسية في العدد الجديد.
وقفت مكاني.
— يعني إيه؟
ضحكت وقالت:
— يعني صورتك هتبقى على الغلاف.
ماعرفتش أتكلم.
قفلت المكالمة، وحضنت ليلى ولفّيت بيها في الصالة.
كانت بتضحك وهي مش فاهمة حاجة.
قالت:
— ماما بقت مشهورة؟
ضحكت وسط دموعي.
— لسه يا حبيبتي… بس ماما بدأت تلاقي نفسها.
في الليلة نفسها، جوزي رجع من سفره من غير ما يبلغني.
فتح الباب بمفتاحه، ودخل وهو شايل حقيبته.
كنت قاعدة على السفرة براجع تصميمًا جديدًا.
بص حواليه، وبعدها سأل:
— ليلى فين؟
— نايمة.
— كويس. إحنا لازم نتكلم.
قفل الباب وقعد قصادي.
كان هاديًا بشكل أقلقني.
طلع ملفًا من حقيبته وحطه على السفرة.
سألته:
— إيه ده؟
قال:
— عقد شقة جديدة. اخترت مكان قريب من شغلي ومدرسة كويسة لليلى.
ما مدّتش إيدي للملف.
— أنا قلتلك إننا مش هنسافر.
— وأنا اديتك وقت تعقلي.
— وأنا عقلت فعلًا.
بدأ الغضب يظهر في عينيه.
— يبقى جهزي حاجتك.
قلت بثبات:
— مش همشي.
سكت ثواني.
وبعدين قال الجملة اللي أنهت كل شيء:
— لو شغلك أهم مني ومن بيتك… يبقى إحنا ما ينفعش نكمل مع بعض.
حسيت بوجع شديد في صدري.
كان جزء مني مستني إني أخاف.
إني أترجاه.
إني أرجع الست القديمة اللي كانت بتعتذر حتى وهي ما غلطتش.
لكنني تذكرت ليلة المانجا.
وتذكرت لما قال إن بنته هي الرابط الوحيد بيننا.
بصيت في عينيه وسألته:
— إنت بتخيّرني بينك وبين نفسي؟
رد ببرود:
— اعتبريها زي ما تحبي.
هزيت راسي ببطء.
وبعدين قلت:
— خلاص… أنا اخترت.
انتظر مني أنطق اسمه.
لكني فتحت الملف الموجود قدامي، وأخرجت منه ورقة كنت محتفظة بيها من أسبوعين.
حطيتها أمامه.
كانت بطاقة محامية متخصصة في قضايا الأسرة.
بص للبطاقة، وبعدها رفع عينيه ناحيتي.
قلت بصوت هادئ:
— بكرة الصبح هروح أتكلم معاها عن الطلاق.
ولأول مرة من يوم ما عرفته…
شوفت الصدمة الحقيقية في عينيه.
فضل جوزي باصص لبطاقة المحامية كأنه مش فاهم المكتوب عليها.
وبعدين رفع عينيه ناحيتي وسأل:
— إنتِ بتهدديني؟
— لأ… أنا بقولك قراري.
ضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت مليانة غضب.
— قرارك؟ من إمتى وإنتِ بتاخدي قرارات لوحدك؟
بصيتله بهدوء وقلت:
— من يوم ما اكتشفت إنك بتاخدها لوحدك طول الوقت.
اتكأ على الكرسي وحدق فيّ.
كان مستني إني أضعف.
لكنني ما ضعفتش.
قال:
— إنتِ مستعدة تهدي بيتك علشان شغل ممكن يخلص في أي لحظة؟
— البيت ما بيتهدش لما الست تشتغل. البيت بيتهد لما واحد فيه يلغي التاني.
— أنا عمري ما لغيتك.
— إنت قلتلي بنفسك إن وجودي في حياتك مالوش معنى غير إني أم بنتك.
اتغيرت ملامحه.
سكت شوية، وبعدين قال:
— قلت الكلام ده إمتى؟
ابتسمت بوجع.
— كنت سكران… علشان كده إنت نسيته. لكن أنا كنت واعية، وسمعت كل حرف.




