
دخل جوزي الحفلة ومعاه عشيقته قدام كل الناس… وابني اللي عنده تسع سنين حضني وقال لي:
— ماما، متعيطيش… بصيلي أنا دلوقتي.
عمري ما هنسى اليوم ده.
نور الشمس كان داخل من الشبابيك الكبيرة، وريحة الورد الأبيض مالية مدخل البيت.
بقالي 12 سنة، كل أسبوع تقريبًا، بحط ورد أبيض في نفس الفازة الزرقا.
اليوم ده، وأنا برتب الورد، وصلتني رسالة من مساعد جوزي:
«مدام، جوز حضرتك بيطلب حضورك بكرة الساعة سبعة مساءً في حفل الشركة السنوي. الملابس رسمية، والدعوة هتوصلك لحد البيت.»
استغربت.
السنين اللي فاتت، جوزي كان دايمًا بيقولي بنفسه.
غير كده، هو بقاله أسبوعين تقريبًا مش بينام في البيت.
اتصلت بيه.
— بخصوص الحفلة… مش هنروح سوا؟
رد بصوت بارد:
— لأ، روحي إنتِ… وأنا هاجي على هناك.
— ليه؟
— عندي شغل.
وقفل.
ابني، اللي عنده تسع سنين، كان قاعد في أوضته بيرسم.
على الورقة كان فيه تلات أشخاص واقفين تحت شمس كبيرة.
بابا.
ماما.
وهو.
التلاتة ماسكين إيد بعض.
رفع الرسمة وقال بفرحة:
— ماما، شوفي.
ابتسمت:
— جميلة أوي يا حبيبي.
سألني ببراءة:
— بابا هيروح الحفلة؟
— أيوه.
— يبقى ترجعوا سوا.
ماعرفتش أرد عليه.
قلت:
— هنحاول.
أنا وجوزي كنا متجوزين بقالنا 12 سنة.
لما عرفته، شركته كلها كانت عبارة عن أوضة صغيرة بالإيجار.
كنت بشتغل في الحسابات طول النهار، وبالليل أقعد معاه لحد الساعة اتنين الفجر نراجع الفواتير والعقود.
وفي بداية المشروع، بعت شقة صغيرة كنت وارثاها عن أمي، وحطيت جزءًا كبيرًا من فلوسها في الشركة.
كان دايمًا يقولي:
— لما الشركة تنجح، محدش يقدر يقول إنها بتاعتي لوحدي… دي بتاعتنا إحنا الاتنين.
وبالفعل، الشركة كبرت.
وأنا حملت.
قللت شغلي بره البيت، لكن فضلت سنين أساعده في الحسابات والأمور المالية.
وبالتدريج…
اسمي اختفى.
اختفى من الاجتماعات.
ومن العروض.
ومن الصور.
وقتها ما اهتمتش.
كنت فاكرة إننا بنبني نفس الحياة.
لكن قبل الحفلة بست شهور تقريبًا، لقيت فاتورة محل مجوهرات في جيب جاكيت جوزي.
عقد ألماس غالي جدًا.
لكن العقد ماكانش عندي.
بعدها بدأت السفريات المفاجئة.
ليالي مايرجعش فيها البيت.
رقم سري جديد لموبايله.
ريحة برفان حريمي أنا ما بستعملوش.
وأثر روج على قميصه.
ما سألتوش.
استنيت.
كنت فاكرة إن 12 سنة جواز لازم يكون وزنهم أكبر من أي نزوة.
لكن كنت غلطانة.
يوم الحفلة، لبست فستان كحلي غامق.
شيك وبسيط.
ابني وقف عند باب أوضتي وقال:
— ماما، إنتِ جميلة أوي.
نزلت لمستواه.
— اسمع الكلام ونام بدري.
حضني وقال:
— وإنتِ كمان لازم تبقي مبسوطة.
كنت هعيط.
لكن تماسكت.
— هحاول.
وصلت قاعة الحفل.
المكان كان مليان ناس.
لكن الغريب إنهم حطوني على ترابيزة جانبية تقريبًا جنب باب الخروج.
الموظف بص للدعوة، وبعدها بص في الكشف اللي قدامه، وتجنب يبصلي في عيني.
— مكان حضرتك رقم 27.
وقتها فهمت إن الموضوع مش غلطة.
الساعة عدت سبعة.
وبعدها بعشرين دقيقة…
الأبواب اتفتحت.
دخل جوزي.
لكن ماكانش لوحده.
كانت ماسكة دراعه ست تانية.
لابسة فستان أحمر.
شعرها مرفوع.
وحوالين رقبتها…
عقد الألماس.
نفس العقد اللي شفت فاتورته.
القاعة سكتت لثواني.
وبعدين بدأت الهمسات.
— مين دي؟
— دي اللي بقت بتظهر مع الشركة الفترة الأخيرة.
— مش هو متجوز؟
— مراته موجودة هنا أصلًا!
فضلت قاعدة مكاني.
جوزي عدى من جنب ترابيزتي.
عينه جت في عيني.
لكنه ما وقفش.
ما سلّمش عليا.
كمل طريقه معاها كأني واحدة غريبة.
لمدة ساعتين، فضلت مبتسمة.
باكل من غير ما أحس بطعم الأكل، وأسمع الكلام حواليّا يسكت كل ما ألف وشي.
بعدها جوزي طلع على المسرح.
شكر المستثمرين.
وشكر الموظفين.
وشكر شركاء النجاح.
وفي الآخر، ابتسم للست اللي دخلت معاه وقال:
— وحابب أشكر بشكل خاص الإنسانة اللي خلال السنة اللي فاتت كانت أكبر دعم ليا بطريقة يمكن ناس كتير ما تعرفهاش.
قامت من مكانها وسط تصفيق مرتبك.
أنا ماقدرتش أستحمل.
دخلت الحمام.
قفلت على نفسي.
وعيّطت من غير صوت.
وفجأة موبايلي رن.
كانت الست اللي قاعدة مع ابني.
قالت بقلق:
— ابن حضرتك صحي وشاف الدعوة، وفضل مصمم ييجي عندك لحد ما مقدرتش أمنعه.
— إنتوا فين؟
— بره القاعة.
خرجت أجري.
لقيت ابني واقف هناك.
لابس البيجامة والشبشب.
وشعره منكوش من النوم.
وماسك علبة صغيرة على صدره.
أول ما شافني قال:
— ماما.
نزلت وحضنته.
— إنت جيت ليه؟
— علشان كنت عارف إنك زعلانة.
فتح العلبة.
كان جواها إسورة صغيرة معمولة من خرز ملون.
لبسهالي وقال:
— المُدرسة قالت لنا نديها لحد محتاج حظ حلو.
وبعدين مسح دموعي.
— ماما، متعيطيش.
بص ناحية أبواب القاعة.
وقال:
— بصيلي أنا.
مسك إيدي.
— إنت هتعمل إيه؟
— هسأل بابا سؤال.
— لأ… استنى!
لكنه فتح باب القاعة.
دخل وسط مئات الضيوف ببيجامته وشبشبه.
جوزي شافه.
وشه اتغير.
— إنت بتعمل إيه هنا؟
ابني طلع المسرح ومسك الميكروفون.
— بابا.
القاعة سكتت.
— إنت لسه قايل إن الست دي هي اللي كانت واقفة جنبك وبتدعمك.
وش جوزي شحب.
— انزل يا حبيبي.
لكن ابني هز راسه.
طلع من جيبه صورة قديمة.
أنا وجوزي من 12 سنة، قاعدين على أرض أول مكتب للشركة، وحوالينا كراتين وفواتير.
رفع الصورة وقال:
— أمال دي مين؟
وشاور عليا.
— إنت اللي حكيتلي إن ماما باعت البيت اللي ورثته علشان تساعدك تبدأ الشركة.
وبص لأبوه.
— لو الست دي هي اللي كانت دايمًا واقفة جنبك… أمال ماما كانت إيه؟
جوزي ماعرفش يرد.
وساعتها ابني سأله:
— بابا… إنت عايز الست دي تبقى ماما الجديدة بتاعتي؟
وفجأة…
اختفى أي صوت من القاعة.
وكل العيون اتجهت ناحية جوزي.
مستنية إجابته.
جوزي نزل الميكروفون من قدام وش ابني.
وقال بصوت واطي:
— الكلام ده مش مكانه هنا.
ابني سأله:
— طب مكانه فين؟
الجملة خرجت منه ببراءة، لكنها وقعت على جوزي كأنها صفعة.
قربت من المسرح.
قلت:
— تعالى يا حبيبي.
ابني بصلي.
لكن قبل ما ينزل، الست اللي كانت مع جوزي قامت.
قربت من المسرح وقالت:
— أعتقد إن الطفل محتاج يفهم إن فيه أمور بين الكبار هو مش فاهمها.
وقتها لأول مرة بصيتلها كويس.
كانت جميلة.
واثقة.
والعقد بيلمع حوالين رقبتها.
قلت:
— ابني مش محتاج يفهم أي حاجة منك.
جوزي قال بعصبية:
— كفاية فضايح.
بصيتله.
— أنا اللي بعمل فضايح؟
— مش وقته.
ضحكت.
مش عارفة إزاي ضحكت.
يمكن لما الإنسان بيتوجع زيادة عن طاقته، بيبطل يعرف يعيط.
قلت:
— عندك حق. الوقت ده معمول علشان تشكر الناس اللي ساعدتك.
وشاورت ناحية الصورة اللي في إيد ابني.
— واضح بس إن ذاكرتك خانتك.
همسات الناس زادت.
الست قالت:
— أنا مش مضطرة أسمع الكلام ده.
مدت إيدها ناحية شنطتها.
لكن وهي بتتحرك، عيني وقعت على العقد.
افتكرت الفاتورة.
وفجأة افتكرت حاجة تانية.
رقم الفاتورة.
لأني محاسبة.
والأرقام عندي عمرها ما كانت مجرد أرقام.
قلت:
— العقد ده اتدفع تمنه منين؟
جوزي اتجمد.
الست بصتلي باستغراب.
— عفوًا؟
قربت خطوة.
— العقد اللي في رقبتك. اتدفع تمنه منين؟
جوزي قال:
— إنتِ اتجننتي؟
لكن أنا كنت بدأت أربط الخيوط.
فاتورة المجوهرات ماكانش مكتوب عليها اسم جوزي الشخصي.
كان مكتوب عليها اسم الشركة.
وقتها افتكرت إنه يمكن استخدم حساب الشركة بالغلط.
لكن دلوقتي؟
الغلط بقى له معنى تاني.
قلت:
— العقد متسجل كمصروف تابع للشركة، صح؟
واحد من أعضاء مجلس الإدارة كان واقف قريب.
لف ناحية جوزي.
— إيه الكلام ده؟
جوزي قال بسرعة:
— مفيش حاجة. هي متوترة.
قلت:
— أنا عندي صورة من الفاتورة.
سكت.
الست اللي معاه بدأت ملامحها تتغير.
قلت:
— والعقد ده مش الحاجة الوحيدة.
قبل شهور، وأنا براجع حسابنا المشترك، لاحظت تحويلات متكررة لشركة استشارات ما سمعتش عنها قبل كده.
وقتها ما ركزتش.
لأني كنت بطلت أتدخل في شغل الشركة.
لكن اسم الشركة كان عالق في دماغي.
والأسبوع اللي فات، بحثت في الأوراق القديمة.
الشركة دي اتأسست من أقل من سنة.
ومين صاحبتها؟
بصيت للست.
— حضرتك.
القاعة انفجرت بالهمسات.
قالت بسرعة:
— أنا مستشارة للشركة فعلًا.
— جميل. يبقى أكيد عندك عقود تثبت الخدمات اللي قدمتيها.
سكتت.
جوزي نزل من على المسرح بسرعة.
مسكني من دراعي.
— كفاية.
بصيت لإيده.
— شيل إيدك.
— إنتِ هتدمريني.
قلت بهدوء:
— أنا؟
شلت إيده من على دراعي.
— إنت دخلت هنا معاها قدام مراتك وابنك ومئات الموظفين. متحملنيش مسؤولية اختيارك.
وفجأة، صوت جه من ورا جوزي.
— إحنا محتاجين نراجع الحسابات فورًا.
كان رئيس مجلس الإدارة.
جوزي لفله.
— حضرتك مصدق كلامها؟
رد الراجل:
— أنا ما صدقتش ولا كذبت. لكن طالما فيه اتهام متعلق بأموال الشركة، لازم نراجعه.
العشيقة قالت بسرعة:
— أنا ماليش علاقة بأي حاجة غير قانونية.
جوزي بص لها بصدمة.
كانت أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينه.
قال:
— إنتِ عارفة كويس كل حاجة.
رجعت خطوة.
— لأ. أنا كنت فاكرة إن كل المصروفات دي من حسابك الشخصي.
وفي ثواني…
التحالف اللي دخلوا بيه القاعة ماسكين في بعض بدأ يتفتت.
لكن أنا ماكنتش مهتمة.
مسكت إيد ابني.
وقلت:
— إحنا ماشيين.
جوزي ناداني:
— استني.
ما بصتلوش.
قال:
— ابننا هيرجع معايا.
وقفت.
لفيتله.
وقبل ما أتكلم، ابني شد على إيدي وقال:
— أنا عايز أروح مع ماما.
جوزي بصله.
وابني قال:
— هي عمرها ما سابتني لوحدي.
الجملة كسرت آخر حاجة كانت فاضلة في القاعة.
خرجت بابني.
ولأول مرة من 12 سنة…
ما استنيتش جوزي يلحقني.
وصلنا البيت بعد نص الليل.
دخل ابني أوضته.
وقبل ما ينام، سألني:
— ماما… إنتوا هتتطلقوا؟
قعدت جنبه.
ماحبتش أكذب.
قلت:
— فيه حاجات لازم أنا وباباك نحلها.
— بس إنتِ هتفضلي ماما بتاعتي؟
حضنته.
— طول العمر.
نام وهو ماسك إيدي.
أما أنا…
فما نمتش.
قعدت قدام الفازة الزرقا لحد الفجر.
الورد الأبيض كان لسه فيها.
لكن لأول مرة بصيتله وحسيت إنه بقى ذكرى لحياة انتهت.
الساعة ستة الصبح، موبايلي رن.
كان جوزي.
ما رديتش.
اتصل تاني.
وتالت.
وبعدين وصلت رسالة:
«لازم نتكلم قبل اجتماع مجلس الإدارة.»
قفلت الموبايل.
الساعة تسعة، خبط حد على الباب.
افتكرت إنه هو.
لكن لما فتحت، لقيت راجل كبير أعرفه كويس.
الأستاذ عادل.
كان المحاسب القانوني القديم للشركة.
الراجل اللي اشتغل معانا من أول ما كانت الشركة أوضة صغيرة.
قال:
— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
دخل.
وكان ماسك ملف بني قديم.
حطه قدامي.
وقال:
— جوزك طلب مني من حوالي سبع سنين أغير هيكل الشركة.
قلبي دق.
— بمعنى؟
— وقت تأسيس الشركة، مساهمتك كانت مثبتة.
اتجمدت.
— مساهمتي؟
فتح الملف.
طلع عقدًا قديمًا.
عليه توقيعي.
وتوقيع جوزي.
قال:
— فلوس الشقة اللي بعتيها ما دخلتش الشركة كهدية لجوزك.
دخلت كرأس مال.
إنتِ كنتِ شريكة.
مسكت الورق.
— بس أنا عمري ما أخدت أسهم.
رد:
— أخدتي.
رفع ورقة تانية.
— وقتها كان ليكي نسبة 35%.
حسيت إني مش سامعة كويس.
— كام؟
— خمسة وتلاتين في المية.
قعدت.
قلت:
— مستحيل.
قال:
— المشكلة مش هنا.
قلبي بدأ يدق أسرع.
— أمال فين؟
— من سبع سنين، حصلت تعديلات في الملكية. واتقدم تنازل باسمك عن جزء كبير من حصتك.
رفعت عيني.
— أنا ما وقعتش على تنازل.




