
الجزء الثاني
أدركت إيما أن كرينشو سيكتشف المؤن المخفية عاجلًا أم آجلًا، فاتخذت قرارًا لم تنسه غريس أبدًا.
وضعت بعض الطعام المسروق في مسكن عامل بريء يُدعى بيتر، ثم وجّهت الشكوك نحوه سرًا. نجحت الحيلة، واتُّهم بيتر رغم تأكيده براءته، ولم يستمع إليه أحد.
عوقب بعقوبة تأديبية، بينما طُلب من الشقيقتين مشاهدة ما حدث. وفي تلك الليلة، واجهت غريس إيما قائلة:
— كنتِ تعرفين أنه بريء!
أجابت إيما:
— نعم.
— وتركتِهم يتسببون له في ضرر!
أغمضت إيما عينيها وقالت:
— لو اكتشف كرينشو المؤن، لتضرر الجميع.
ردت غريس بحزن:
— لكن هذا لا يجعل ما حدث له صوابًا.
وللمرة الأولى، أدركت الشقيقتان أن الخطة التي تهدف إلى إنقاذ الآخرين قد تتسبب هي أيضًا في ضرر لا يُمحى. ورغم ذلك، استمرتا في الاستعداد، حتى وصلتهما صدمة جديدة.
ألغى جوسايا بلاكوود رحلته إلى سافانا، وقرر البقاء في المزرعة ليلة الثالث والعشرين من سبتمبر، وهي الليلة التي اختارتها الشقيقتان لتنفيذ خطتهما!
حاول جاكوب وإشعياء إقناع إيما بتأجيل العملية، لكنها رفضت قائلة:
— القوارب جاهزة، والناس مستعدون. لا يمكننا إبقاء سر 347 شخصًا إلى الأبد.
عندها قالت غريس:
— إذن علينا أن نشغل عائلة بلاكوود بشيء لن يستطيعوا تجاهله.
تبادلت الشقيقتان نظرة غامضة، ولم تكشفا لأحد عن تفاصيل ما تخططان له.
حلّ يوم الثالث والعشرون، وبدت المزرعة هادئة كعادتها. انشغل العمال بأعمالهم، وأشرفت كارولين على المنزل، بينما استقبل جوسايا شقيقه ماركوس. وقدمت إيما وغريس العشاء بابتسامتين هادئتين، وكأن شيئًا لم يكن.
لكن خارج المنزل، كان 68 شخصًا يستعدون لتنفيذ خطة مستحيلة.
في الثامنة وخمس وأربعين دقيقة، فتح إشعياء أول قفل. وبعد خمس دقائق، قاد جاكوب مجموعة نحو الحدود الشرقية. ثم بدأت المجموعات الأخرى تتحرك تباعًا.
حُمل الأطفال في الظلام، وصعد كبار السن إلى العربات المنتظرة، وسارت العائلات التي فرّقها القلق سنوات وهي تتمسك بأيدي بعضها. لم يصرخ أحد، ولم يحتفل أحد… ليس بعد.
وبحلول التاسعة وخمس وأربعين دقيقة، كانت آخر مجموعة قد غادرت.
اختفى 347 شخصًا من مزرعة بلاكوود، بينما بقيت إيما وغريس داخل المنزل، تقدمان الحلوى وتتصرفان بطبيعية تامة.
وعند العاشرة، دخلت إيما المطبخ، وتبعتها غريس. تأملتا الجدران الخشبية والمناشف المعلقة والشموع المشتعلة قرب طاولة العمل.
لقد حان وقت تنفيذ الخطة.
مدّت إيما يدها نحو إحدى الشموع، لكن غريس أمسكت بمعصمها وهمست:
— إيما… ماذا لو غاب أحد؟
ترددت إيما للحظة، ثم قالت:
— إذا اكتشفوا الآن أن المساكن أصبحت فارغة، فقد يقبضون على مئات الأشخاص.
تركت غريس يد شقيقتها، وبعد لحظات، بدأ الدخان يتسلل من أسفل باب المطبخ.
ثم دوّى نداء مفاجئ:
— اشتعال!
عمّت الفوضى منزل بلاكوود. اندفع جوسايا من غرفة الطعام، وراحت كارولين تطلب الماء، بينما هرع الجميع إلى الفناء، وبدأ الاشتعال في جدران المطبخ.
خرجت إيما وغريس وهما تسعلان، وقد غطّى السخام وجهيهما.
نجحت الخطة… لكن بينما كان الاشتعال يشتعل خلفهما، كان مئات الهاربين يقتربون من النهر، حيث كانت تنتظرهم عقبة أخطر مما تخيّلوا.
لم تكن القوارب تتسع لشخص دفعة واحدة، وكان كل عبور يستغرق وقتًا ثمينًا. وإذا اكتشفت عائلة بلاكوود ما حدث قبل وصول آخر مجموعة إلى الضفة الأخرى، فقد يتحول النهر إلى فخ لا مفر منه!
فهل سينجح توماس في عبور الجميع؟ وهل سيكتشف الشريف تالبيرت أن الفتاتين اللتين تبدوان بريئتين تقفان خلف هذه الخطة الجريئة؟
ما زال الجزء الأخطر من الحكاية لم يبدأ بعد…!
الجزء الثالث والأخير
23 سبتمبر 1856، بالقرب من منتصف الليل.
على ضفاف نهر سافانا المظلمة، وقف مئات الأشخاص ينتظرون اللحظة التي حلموا بها لسنوات. أمهات يحتضنّ أطفالهن، ومسنون يستندون إلى أقاربهم، وعائلات لا تحمل سوى الملابس التي ترتديها.
خلفهم كانت مزرعة بلاكوود التي قضوا فيها أعوامًا محرومين من حرية المغادرة، وأمامهم نهر مظلم ومستقبل مجهول.
وقف توماس، البحار العجوز، بجوار اثني عشر قاربًا صغيرًا، وهمس:
— أبقوا الأطفال بالقرب منكم، واتبعوا أصحاب القوارب، ولا يركض أحد!
انطلق القارب الأول، ثم الثاني، ثم الثالث. كانت كل دقيقة تمر كأنها ساعة كاملة. وفجأة، بدأ طفل صغير بالبكاء، فاحتضنته أمه وهمست:
— لا تقلق يا صغيري، سنذهب إلى مكان لا يستطيع فيه أحد منعنا من الرحيل.
لكنها لم تكن تعرف إن كانت ستتمكن من الوفاء بوعدها!
وفي الوقت نفسه، كان الاشتعال يشتعل في مطبخ مزرعة بلاكوود، بينما يصرخ جوزايا بلاكوود مطالبًا الجميع بإخماده. وكانت زوجته كارولين تأمر العاملين بإنقاذ مقتنياتها الثمينة وأوراقها المهمة.
وسط تلك الفوضى، وقفت إيما وغريس ووجهاهما مغطّيان بالسخام، تتظاهران بالقلق، بينما كانتا في الحقيقة تراقبان الوقت.
فكل دقيقة ينشغل فيها أصحاب المزرعة بالاشتعال تعني فرصة إضافية لوصول المزيد من الأشخاص إلى بر الأمان.
لكن غريس لم تستطع نسيان بيتر، الرجل البريء الذي عانى بسبب قرار اتخذته إيما لحماية الخطة.
التفتت إلى شقيقتها وقالت:
— عديني بشيء واحد.
— ما هو؟
— ألا نسمح بتضرر شخص بريء بسبب خططنا مرة أخرى.
صمتت إيما قليلًا، ثم همست:
— سنجد طريقة أخرى.
بحلول الثانية صباحًا، كان أكثر من نصف المجموعة قد عبر النهر، حيث كان أشخاص متعاونون ينتظرون على الضفة الأخرى لإرشادهم إلى طرق أكثر أمانًا. وتفرقت العائلات إلى مجموعات صغيرة حتى يصعب تعقبها.
لكن عند الثالثة صباحًا، وصل رجل يركض إلى جوزايا بلاكوود، ووجهه شاحب وأنفاسه متقطعة.
— سيدي! مساكن العمال!
صرخ جوزايا:
— ماذا حدث لها؟
— إنها فارغة!
تجمد الرجل في مكانه.
— ماذا تعني بفارغة؟!
— الجميع رحلوا يا سيدي!
— الجميع؟! كم عددهم؟
جاء الرد الذي لم يكن يتخيله:
— جميع الأشخاص!
في تلك اللحظة، فهم جوزايا كل شيء. الاشتعال، والمؤن المفقودة، والتوقيت الغريب… لم تكن مصادفات!
أمر بإرسال فرق البحث وإبلاغ المزارع المجاورة، واستدعى مأمور المنطقة روبرت تالبرت.
لكن الوقت كان قد تأخر.
وصلت كلاب التعقب إلى النهر، وهناك اختفت الآثار. فقد توزع المغادرون على طرق مختلفة، ولم يعد أحد يعرف إلى أين اتجهوا.
وفي صباح اليوم التالي، انتشر الخبر في أنحاء المقاطعة، وبدأ المأمور تحقيقًا واسعًا لمعرفة العقل المدبر للعملية.
وبعد استجواب عدد من العاملين، استدعى إيما وغريس.
جلست الفتاتان أمامه بهدوء، ووضعَتا أيديهما في حجريهما.
سألهما:
— هل لاحظتما شيئًا غريبًا قبل الاشتعال؟
أجابت إيما:




