
مدَّت ليان، الطفلة ذات السبع سنوات، يدها المرتجفة إلى الهاتف القديم الذي كانت أمها تخفيه داخل درج الدولاب منذ خمس سنوات.
ضغطت على الرقم الوحيد المحفوظ عليه.
وفي نفس اللحظة…
في الطابق الثامن والثلاثين من أحد أبراج القاهرة، نظر آدم المنصوري إلى الاسم الذي ظهر على شاشة هاتفه…
وتوقّف عن التنفس.
لم يظهر رقم المتصل.
بل ظهر اسم واحد فقط…
“كريم.”
اسم أخيه الذي مات منذ خمس سنوات.
وقف آدم جامدًا أمام الواجهة الزجاجية الضخمة لمكتبه، وفي يده كأس لم يذق منه رشفة واحدة. كانت أضواء المدينة تلمع أسفل البرج، بينما جلس خلفه أربعة رجال يحيطون بطاولة اجتماعات كبيرة.
لم يكن هؤلاء رجالًا اعتادوا الانتظار.
أحدهم يسيطر على شركات النقل.
والثاني يملك أكبر شركات الحراسة الخاصة.
أما الثالث، فكان اسمه وحده كافيًا ليجعل أخطر المجرمين يغيرون طريقهم.
لكنهم جميعًا بقوا صامتين…
لأن آدم المنصوري كان يحدق في هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين.
منذ خمس سنوات اختفى كريم المنصوري.
ومنذ خمس سنوات عثرت الشرطة على سيارته محترقة في طريق صحراوي.
ومنذ خمس سنوات دفن آدم نعشًا فارغًا…
لأن ج/ثة أخيه لم تُعثر عليها أبدًا.
رن الهاتف مرة أخرى.
أجاب آدم فورًا.
ولم يقل: “ألو.”
جاءه صوت طفلة هامسًا:
— “حضرتك… أستاذ آدم؟”
كل الرجال الموجودين في الغرفة لاحظوا التغير الذي مر على وجهه.
لم يكن تغيرًا كبيرًا…
فآدم لم يكن من الرجال الذين تظهر مشاعرهم بسهولة.
لكن أصابعه انقبضت حول الكأس بقوة…
حتى تشقق الثلج بداخله.
سأل بصوت منخفض:
— “مين معايا؟”
— “أنا اسمي ليان… ليان كارتر… عندي سبع سنين.”
استدار آدم بعيدًا عن الرجال.
— “جبتي التليفون ده منين؟”
— “كان مستخبي في درج ماما.”
— “أي تليفون؟”
— “التليفون القديم… اللي عليه تراب. ماما قالتلي ما ألمسوش.”
أغمض آدم عينيه.
هاتف كريم…
الهاتف الذي اختفى معه ولم تجده الشرطة ولا رجاله رغم سنوات من البحث.
والآن…
طفلة تتحدث إليه من خلاله.
قال بهدوء شديد:
— “ليان… مامتك موجودة؟”
— “لا… هي شغالة شيفت ليل في مستشفى.”
— “ممرضة؟”
— “هي بتقول إنها فنية رعاية مرضى… بس بتعمل شغل الممرضات كله تقريبًا.”
ابتسم أحد الرجال خلف آدم ساخرًا.
اكتفى آدم بنظرة واحدة نحوه.
فاختفت الابتسامة فورًا.
عاد يسأل:
— “إنتِ لسه صاحيه ليه؟”
— “إحنا هننقل بكرة. ماما قالتلي ألم هدومي والكتب… وأنا لقيت التليفون تحت البطاطين الشتوي.”
ساد الصمت للحظة.
تخيل آدم طفلة صغيرة تجلس وسط الكراتين، تمسك آخر شيء تبقى من أخيه المفقود.
ثم سأل:
— “ليه هتنقلوا؟”
طال الصمت هذه المرة.
وكان آدم يعرف أنواع الصمت كلها…
صمت الخوف…
وصمت الكذب…
وصمت التحدي…
لكن هذا…
كان صمت طفلة تحاول ألا تجرح كرامة أمها.
وأخيرًا همست:
— “صاحب العمارة بيقول لازم نمشي.”
ليه؟”
— “بيقول إننا كسرنا العقد.”
— “وده حصل؟”
— “لأ… ماما بتدفع الإيجار كل شهر. ساعات بتتأخر شوية… بس عمرها ما سابت جنيه. حتى وريته الإيصالات.”
تغيرت نظرة آدم.
— “اسمه إيه؟”
— “الأستاذ جابر.”
نظر آدم إلى مساعده مازن الواقف عند الباب.
لم يحتج أن يشرح شيئًا.
ضغط زر كتم الصوت وقال:
— “هاتلي خلال عشر دقايق كل حاجة عن أي صاحب عمارة اسمه جابر له علاقة بست اسمها نورا كارتر، شغالة شيفت ليل في مستشفى، وعندها بنت عندها سبع سنين… عايز عنوانها، والكاميرات، وكل عربية واقفة في الشارع.”
خرج مازن فورًا دون أن يسأل.
أعاد آدم الاتصال.
— “ليان… باب الشقة مقفول؟”
— “آه.”
— “والشبابيك؟”
— “إحنا في الدور الرابع.”
— “مش ده اللي سألت عنه.”
ذهبت تتأكد.
ثم قالت:
— “كلهم مقفولين.”
— “ممتاز… دلوقتي اسمعيني كويس. ما تفتحيش الباب لأي حد غير مامتك.”
— “حتى لو قال إنه من الشرطة؟”
— “خصوصًا لو قال كده. شوفي البطاقة من العين السحرية، ولو شكّيتي في حاجة اتصلي بالنجدة بنفسك.”
قالت بفخر:
— “ماما علمتني.”
ابتسم آدم لأول مرة منذ سنوات.
— “يبقى مامتك ست ذكية.”
— “هي ذكية… بس تعبانة على طول.”
وفجأة…
دق… دق… دق.
تجمد صوت الطفلة.
ووضع آدم الكأس على المكتب ببطء.
— “ليان؟”
همست:
— “في حد بيخبط الباب.”
— “كام خبطة؟”
— “تلاتة.”
— “روحي بهدوء بصي من العين السحرية.”
— “بس ماما قالت…”
— “مامتك عندها حق في كل حاجة… لكن المرة دي اسمعي كلامي.”
تحركت الطفلة.
وسمع صوت خطواتها الخفيفة فوق السجادة.
ثم جاء صوت رجل من الخارج:
— “يا أستاذة نورا… معاك جابر صاحب العمارة. أنا عارف إنك جوه.”
همست ليان:
— “ده صاحب العمارة.”
قال آدم بسرعة:
— “شايفة إيديه؟”
— “إيده الشمال ماسكة ملف.”
— “واليمنى؟”
— “جوه الجاكيت.”
اشتدت ملامح آدم.
وقال ببرود:
— “ابعدي عن الباب.”
بدأ الرجل يطرق بعنف أكبر.
— “المهلة انتهت من نص الليل… افتحي الباب علشان نخلص إجراءات المعاينة.”
تراجعت ليان خطوة وهي تقول بصوت مرتجف:
— “ماما مش موجودة.”
ساد صمت في الخارج…
ثم جاء صوت الرجل مختلفًا تمامًا:
— “إنتِ بتكلمي مين يا ليان؟”
#حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️واصل آدم الحديث بصوت هادئ، لكنه كان يحمل برودة أخافت كل من يعرفه.
— “ليان… ما ترديش.”
لكن الأوان كان قد فات.
ابتلعت الطفلة ريقها وهمست دون قصد:
— “مع… مع عمو.”
ساد صمت لثانيتين.
ثم جاء صوت جابر من خلف الباب، وقد اختفت منه نبرة المجاملة تمامًا.
— “عمو مين؟”
في نفس اللحظة…
فتح مازن باب غرفة الاجتماعات دون استئذان، وهو يلهث.
— “لقيناها.”
رفع آدم عينيه عنه.
— “اتكلم.”
— “نورا كارتر… فنية رعاية مرضى في مستشفى خاص. أرملة حسب الأوراق الرسمية… وعنوانها مطابق للمكالمة.”
توقف لحظة، ثم قال:
— “بس في حاجة غريبة.”
— “إيه؟”
مدّ له صورة قديمة.
ما إن وقعت عينا آدم عليها…
حتى شعر وكأن الأرض اختفت من تحته.
كانت الصورة ملتقطة قبل ثماني سنوات.
شاب يبتسم وهو يقف بجوار فتاة ترتدي معطفًا أبيض.
الشاب…
كان كريم.
أما الفتاة…
فكانت نورا.
قبض آدم على الصورة بقوة حتى تجعدت أطرافها.
— “إزاي محدش جابلي الصورة دي قبل كده؟”
أجاب مازن بصوت مرتبك:
— “الصورة كانت متسجلة باسم مختلف… نورا غيرت اسم عيلتها بعد اختفاء كريم.”
عاد صوت الطرق على الباب أقوى.
دق… دق… دق.
ثم صرخ جابر:
— “افتحي يا بنت… وإلا هكسر الباب!”
ارتجفت ليان حتى كادت تبكي.
قال آدم بحزم:
— “ليان… ادخلي أوضة النوم واقفلي الباب بالمفتاح.”
— “بس…”
— “دلوقتي.”
سمع صوت خطواتها الصغيرة وهي تركض.
وفي الخارج…
صدر صوت ارتطام قوي.
كان جابر يحاول كسر الباب.
نظر آدم إلى مازن.
— “العنوان.”
أرسل مازن الموقع إلى هاتفه.
ابتسم آدم ابتسامة قصيرة لم يرها رجاله منذ سنوات.
وقال:
— “جهارتجفت أنفاس ليان.
ونظرت إلى الهاتف كأنها لا تعرف ماذا تقول.
همست:
— “بكلم… عمو.”
تجمّد آدم في مكانه.
وسأل بسرعة:
— “ما تقوليش اسمي.”
لكن الأوان كان قد فات.
في الخارج…
سكت الرجل لثانيتين.
ثم قال بنبرة باردة:
— “عمو مين؟”
ابتعدت ليان عن الباب كما طلب منها آدم، وقالت بصوت خافت:
— “معرفوش.”
ضغط آدم على زر صغير أسفل مكتبه.
وفي أقل من ثانية…
امتلأت سماعة أذنه بأصوات رجاله.
— “إحنا جاهزين يا باشا.”
وفي اللحظة نفسها…
عاد مازن إلى المكتب وهو يلهث.
ووضع جهازًا لوحيًا أمام آدم.
— “لقيناها.”
رفع آدم عينيه.
ظهرت صورة بطاقة موظفة.
الاسم: نورا كارتر.
الوظيفة: فنية رعاية مرضى.
العنوان: عمارة قديمة في حي هادئ.
لكن الشيء الذي جعل آدم يثبت مكانه…
كان الصورة التالية.
صورة قديمة التقطتها كاميرا مستشفى قبل سبع سنوات.
ظهر فيها كريم المنصوري…
واقفًا في ممر المستشفى.
وبجواره…
نورا.
همس آدم:
— “مستحيل…”
قال مازن:
— “الصورة بتاريخ اليوم اللي اختفى فيه كريم.”
وفي تلك اللحظة…
عاد صوت جابر من خلف الباب.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
سمعوا صوت رجل آخر يقول:
— “اخلص… البنت لوحدها.”
انقبض فك آدم بقوة.
وقال في السماعة:
— “مازن… قدامكم كام دقيقة؟”
— “ست دقائق.”
هز رأسه بعصبية.
— “كتير.”
فتح درج مكتبه.
وأخرج مفاتيح سيارة سوداء.
ثم قال لرجاله الأربعة:
— “الاجتماع انتهى.”
نظروا إليه باستغراب.
فهذا الاجتماع كان سيحدد صفقة بمئات الملايين.
لكنه لم يهتم.
قال وهو يتجه نحو الباب:
— “أي فلوس تتعوض.”
ثم توقف.
واستدار إليهم بعينين لم يروهما منذ سنوات.
— “لكن لو البنت دي حصلها حاجة…”
ساد الصمت.
ثم أكمل بصوت منخفض ومرعب:
— “اللي واقف قدام بابها… هيختفي من الدنيا قبل طلوع الشمس.”
في نفس اللحظة…
دوّى صوت ارتطام قوي.
باااام!
صرخت ليان.
— “عمو… هو بيكسر الباب!”
أغلق آدم الهاتف للحظة.




