
«مريم منصور… المرأة التي أعادت الحياة إلى الأماكن القديمة، واستعادت حياتها معها.»
فضلت أبص للغلاف من غير كلام.
كل اللي عديت بيه رجع قدامي.
طبق المانجا اللي رميته.
اللابتوب القديم.
المكالمات وأنا في الدورة.
أول عقد.
أول ليلة نمت فيها وحدي.
وورقة الطلاق.
مديرة المكتب حضنتني وقالت:
— تستاهلي أكتر من كده.
ليلى كانت أول واحدة اتصلت بيها.
لما شافت الغلاف في المساء، قفزت وهي تصرخ:
— ماما بقت على مجلة بجد!
أخدت نسخة معاها المدرسة اليوم التالي.
أما أنا، فاشتريت نسختين.
واحدة حطيتها في مكتبي.
والتانية احتفظت بيها في درج البيت جنب أول رسمة رسمتها للمكتبة.
ماكنتش أعرف إن طليقي شاف المجلة في صباح اليوم نفسه.
كان واقف في محل قريب من شغله يشتري قهوة، فوقعت عينه على الغلاف.
عرفني فورًا.
مد إيده وأخد نسخة.
فضل واقف يقرأ الحوار كاملًا.
قرأ الجملة اللي قلت فيها:
«أصعب شيء مش إن الآخرين يشكوا في قدرتك… الأصعب إنك تصدق شكهم وتبدأ تختفي علشان ترضيهم.»
وقرأ إجابتي لما الصحفية سألتني عن أكبر خسارة دفعت ثمنها في طريق النجاح.
كنت قلت:
«خسرت زواجًا كنت أتمنى أن يستمر، لكنني أدركت متأخرة أن الاستمرار وحده مش نجاح. النجاح الحقيقي إن العلاقة تحفظ كرامة الطرفين، وتسمح لكل واحد فيهم يكبر من غير ما يصغّر التاني.»
في يوم الجمعة، جاء ليأخذ ليلى.
فتحت له الباب، فوجدته يحمل المجلة في إيده.
كانت عيناه حمراوين.
ليلى جرت تجيب حقيبتها، فبقينا واقفين وحدنا عند الباب.
رفع المجلة وقال:
— مبروك.
— الله يبارك فيك.
مرر أصابعه فوق الغلاف وسأل:
— الحوار كله حقيقي؟
— تقصد إيه؟
— الكلام اللي قلتيه عن الاختفاء… وعن إن أقرب الناس ليكي ماكانوش شايفينك.
ما جاوبتش.
بصلي وقال:
— كنتِ تقصديني؟
— أنا ما ذكرتش اسمك.
— لكنك كنتِ تقصديني.
تنهدت.
— كنت بتكلم عن تجربتي. وإنت جزء منها.
خفض عينيه للمجلة.
كان شكله مختلفًا.
لا غضب.
لا سخرية.
ولا تلك الثقة القديمة التي كان يتحدث بها كأن رأيه حقيقة مطلقة.
قال بصوت خافت:
— أنا افتكرت الليلة دي.
عرفت فورًا يقصد أي ليلة.
سألته:
— ليلة إيه؟
— اللي سألتيني فيها إذا كنت هتجوزك تاني.
قلبي دق بسرعة، لكني حافظت على هدوئي.
كمل:
— ما افتكرتش كل التفاصيل غير لما قريت الحوار. رجعت البيت يومها تعبان وسكران، وكنت متضايق من الشغل… لكن ده مش عذر.
— فعلًا مش عذر.
— أنا قلت إني ماكنتش هتجوزك.
— وقلت إنك من غير ليلى ماكنتش هتفتكر اسم عيلتي.
غمض عينيه لحظة.
ولما فتحهما كان الندم واضحًا فيهما.
— أنا آسف.
كانت دي أول مرة يعتذر.
مش يقول: «لو كنت زعلتي.»
ولا: «إنتِ فهمتي غلط.»
قال ببساطة: «أنا آسف.»
انتظرت سنين أسمعها.
لكن لما سمعتها أخيرًا، ما أصلحتش اللي اتكسر.
قلت:
— اعتذارك مهم… وأنا قبلته.
رفع عينه بسرعة.
— يعني ممكن نحاول تاني؟
بصيتله طويلًا.
— أنا سامحتك علشان أعيش مرتاحة، مش علشان أرجع.
— أنا اتغيرت.
— عارفة. وليلى بتحكيلي قد إيه بقيت قريب منها، وأنا مبسوطة علشانها.
— مش بس معاها. أنا فهمت حاجات كتير.
سكت، وبعدين قال:
— لما سافرت، افتكرت إني هرتاح. ماحدش يسألني هتتأخر ليه، ولا يفكرني بمواعيدي. أول أسبوع حسيت بحرية… وبعدها بدأت أرجع للشقة وألاقيها فاضية.
ظل ممسكًا بالمجلة وهو يكمل:
— ماكنتش عارف إن الهدوء اللي كنت بطلبه طول الوقت ممكن يبقى مؤلم بالشكل ده. اكتشفت إنك كنتِ بتعملي مئات الحاجات كل يوم وأنا ولا شايفها ولا مقدرها.
قلت:
— أنا ماكنتش محتاجة تحس بقيمتي بعد ما أمشي. كنت محتاجة تحس بيها وأنا جنبك.
هز رأسه.
— عارف.
— وده اللي وجعني. إنك ما شفتنيش غير لما بقيت على غلاف مجلة.
اقترب خطوة، لكنه توقف وحافظ على المسافة بيننا.
قال:
— لو رجع بيا الزمن، كنت هجاوبك إجابة مختلفة.
— كنت هتقول إيه؟
بص في عيني مباشرة.
— كنت هقول إني هتجوزك تاني… لكن المرة دي كنت هحاول أكون راجل يستحقك.
ابتسمت بحزن.
— يمكن لو قلتها وقتها، حاجات كتير كانت اتغيرت.
— لسه ممكن تتغير.
هزيت راسي.
— فيه أبواب لما بتتقفل، مش لازم نكسرها علشان نرجع. ممكن نحترم اللي كان ونتعلم منه ونكمل.
عينيه احمرّت أكتر.
مسح وجهه بسرعة قبل ما ليلى تخرج.
سألني:
— إنتِ سعيدة دلوقتي؟
فكرت قبل ما أجاوب.
— أنا مرتاحة. وببني حياة بحبها. والسعادة مش موجودة كل يوم، لكن على الأقل ما بقيتش غريبة عن نفسي.
خرجت ليلى وهي شايلة حقيبتها والمجلة.
قالت لأبوها بحماس:
— شوفت ماما؟
ابتسم لها رغم حزنه.
— شوفتها، وفخور بيها جدًا.
بصيتله.
الكلمة اللي انتظرتها منه سنين خرجت أخيرًا…
لكنها وصلت بعد فوات الأوان.
نزل على ركبته علشان يساعد ليلى تلبس الجاكيت.
وقبل ما يمشي، التفت ناحيتي وقال:
— شكرًا إنك عمرك ما حاولتِ تبعديها عني.
قلت:
— خلافنا انتهى بينا إحنا. هي مالهاش ذنب فيه.
هز رأسه ومشى معها.
وقفت في الشرفة أشوفهم وهما رايحين للعربية.




