
أنا سلمى، 28 سنة. وعندي نسخة تانية مني في الدنيا، اسمها سارة. احنا توأم متطابق، مش شبه بعض.. احنا بعض. نفس الوش، نفس لون العين، نفس الضحكة اللي بتطلع فيها غمازة واحدة في الخد الشمال. الفرق الوحيد اللي الناس القريبة بتعرفه، ان سارة شعرها أطول سيكة، وأنا صوتي أوطى منها.
ومن واحنا صغيرين واحنا بنلعب لعبة واحدة بس ومش بنزهق منها: “بدّلي معايا”.
أنا أدخل امتحان الرسم مكانها، وهي تروح ترد على الولد اللي أنا مش طايقاه في الحارة وتقوله إني موافقة أكلمه. لعبة وكنا فاكرينها هتفضل لعبة طول العمر.
بس أنا كبرت وبقيت سلمى بتاعة البنوك، اللي يومها متقسم بالدقيقة، اللي دولابها كله أبيض وأسود وكحلي. وهي فضلت سارة، البنت اللي بترسم على الشنط، وبتسمع فيروز وهي بتطبخ وتتحرق منها الطبخة، وبتحب واحد اسمه أحمد من 4 سنين.
النهاردة فرح سارة وأحمد.
الساعة 7 بالليل، أوضة العروسة في الفندق، ريحة برفان وورد في كل حتة. سارة قدام المراية، لابسة فستان أبيض منفوش يخليها شبه الأميرات بجد، بس وشها مخطوف. شاحب وبتترعش.
قربت منها ومسكت ايديها اللي ساقعة تلج: “مالك يا بت؟ انتي عروسة، المفروض طايرة من الفرحة”.
بصتلي في المراية، عيونها مليانة دموع ومش عارفة تنطق: “سلمى.. أنا مش حاسة اني عايزة أعمل كده. حاسة ان في حاجة غلط، حاسة اني لو نزلت السلم ده دلوقتي، عمري ما هرجع تاني”.
حضنتها جامد وقلتلها الكلام المحفوظ بتاع كل الناس: “يا بنتي ده خوف الفرح، كلنا بنحس كده، أحمد بيحبك وانت بتحبيه، 5 دقايق وهتبقي زي الفل”.
سكتت. افتكرتها اقتنعت.
قلتلها: “ثانية هجيبلك منديل من الحمام تمسحي الروج اللي ساح ده”.
دخلت الحمام، 20 ثانية بالظبط، غسلت ايدي وطلعت..
الأوضة فاضية.
للحظة افتكرت نظري راح. الفستان الأبيض الكبير مرمي على الأرض كأنه واقع من السما، الطرحة مرمية جنبه، فردة الجزمة هنا وفردة هناك.
جريت على الشباك، كان مفتوح على الآخر والهوا البارد داخل منه، مع اننا قافلينه من الصبح عشان التكييف. بصيت تحت، مفيش حد.
قلبي وقع في رجلي.
“سااارة! انتي فين! هزارك ده مش وقته!”
مفيش رد.
عيني جت على المراية الكبيرة. كان مكتوب عليها بالروج الأحمر بتاعها، بخط مرعوش ومستعجل، كلمتين بس:
“مش قادرة.. سامحيني”
في اللحظة دي موبايلها اللي سايباه على التسريحة بدأ يرن بصوت عالي يخرم الودان. على الشاشة: “أحمد حبيبي ❤️”
وباب الأوضة خبط، وصوت ماما من بره بيقول بفرحة: “يلا يا عروسة، العريس وصل تحت والناس كلها مستنياكي، 10 دقايق وتنزلي!”
أنا واقفة في النص، بين فستان فرح مرمي على الأرض، وشباك مفتوح، وتليفون عريس بيرن، وأم بتزغرط بره الباب.
أعمل ايه؟ أصرخ وأقول ان العروسة هربت يوم فرحها وأفضحها؟ ولا ألبس أنا الفستان وأنزل أواجه 200 واحد لحد ما أفهم هي راحت فين؟
بصيت للفستان الأبيض المرمي على الأرض، وبصيت لانعكاسي في المراية اللي مكتوب عليها بالروج..
ومديت ايدي ومسكت الفستان.
ايدي كانت بتترعش وانا بشيل الفستان من على الأرض.
تقيل.. تقيل أوي. مش من القماش، من القرار.
صوت ماما بره بيعلى: “سارة يا حبيبتي افتحي يا بنتي، أحمد طالع!”
مفيش وقت أفكر.
لبست الفستان فوق البدلة بتاعتي زي المجنونة، شديت السوسته بالعافية، لبست الطرحة أي كلام، ومسحت كلمة “سامحيني” من على المراية بايدي.
فتحت الباب.
ماما أول ما شافتني شهقت: “بسم الله ما شاء الله.. زي القمر يا حبيبتي!”
حضنتني، وانا حاسة اني باخد حضن مش بتاعي، حضن مسروق. ريحتها اللي متعودة عليها خنقتني، كنت هعيط.
قالتلي وهي بتمسح دموعها: “مالك يا سارة؟ عنيكي حمرا ليه؟”
قلت بصوت حاولت أخليه زي سارة، صوتها الدلوع: “مفيش.. من الفرحة يا ماما والله”.
كانت أول كذبة.. ومش هتبقى الأخيرة.
نزلنا القاعة. كل الأنوار اتطفت واتسلطت عليا. 200 واحد بيصقفوا. وأحمد واقف في آخر السلم، لابس بدلته، وبيبصلي بنظرة عمري ما حد بصهالي. نظرة كلها حب.
وهنا فهمت سارة هربت ليه.. مش عشان مش بتحبه، عشان خايفة من كبر الحب ده.
أحمد مسك ايدي، ايده دافية، وقال في ودني: “أخيراً.. اتأخرتي عليا أوي”.
كنت هقع من طولي.
قعدنا جنب بعض في الكوشة. الناس بترقص، والمزيكا عالية، وأنا قاعدة بفستان فرح مش بتاعي، جنب عريس مش عريسي، وموبايل سارة في ايدي تحت الفستان عمال يهتز كل ثانية. رسايل ورا بعض.
فتحته من تحت الترابيزة.
مش أحمد بس اللي بيبعت.
كان فيه شات مقفول بباسورد، بس آخر رسالة ظاهرة في الـ notification من بره كانت من رقم مش متسجل:
“لو نزلتي الفرح ده هتندمي، انتي عارفة انا ممكن أعمل ايه.. وانا مستنيكي تحت في الباركينج زي ما اتفقنا”
رفعت وشي فجأة، وبصيت على باب القاعة المفتوح اللي بيودي على الباركينج.
وكان فيه واحد واقف في الضلمة، لابس كاب، بيبص عليا انا.. وبيضحك.
وعرف اني مش سارة.
يتبع..
تفتكري مين اللي في الباركينج ده؟
الدنيا لفت بيا.
الراجل اللي في الباركينج شاورلي بإيده.. تعالي.
أحمد جنبي بيضحك مع صاحبه وماسك ايدي جامد كأنه خايف أطير. لو قمت دلوقتي هتبقى فضيحة، ولو ماقمتش سارة ممكن يحصلها حاجة.
ميلت على أحمد وقلتله بصوت واطي وبحاول أضحك: “هروح التويلت بسرعة، الفستان مضايقني”.
قال: “أجي معاكي؟”
“لا خليك!”




