
بعد شوية قال بصوت مكسور:
أنا تعبت يا ليلى. سنتين وأنا بحاول أرجع أقف. كل دكتور بيقولي مفيش أمل.
قعدت جنبه وقلت:
يمكن مش لازم ترجع تقف النهارده. المهم ما تبطلش تحاول.
بصلي.
وإنتِ فاكرة إن الكلام ده سهل؟
ابتسمت بحزن.
أمي بقالها شهور بتحارب مرض صعب. وفي كل يوم بنسمع كلام يقلقنا. بس لو بطلت أصدق إن ممكن يحصل تحسن، هبقى خسرت قبل ما المعركة تخلص.
ما ردش.
لكن من اليوم ده، بدأ يحضر جلسات العلاج بانتظام.
بعد شهرين، حصلت مفاجأة محدش كان متوقعها.
الدكتور المسؤول عن علاجه طلب يعمل له فحوصات جديدة.
ظهرت نتيجة الأشعة، واكتشفوا إن الإصابة القديمة ما قطعتش كل المسارات العصبية زي ما كانوا فاكرين.
كان فيه جزء من الأعصاب لسه قادر يستجيب، لكن محتاج برنامج تأهيل طويل ومتخصص.
ما كانش فيه ضمان إنه هيمشي تاني.
لكن كان فيه أمل حقيقي.
دومينيك قرر يسافر لمركز متخصص في التأهيل العصبي، وبدأ رحلة علاج شاقة.
وأنا كنت بطمن عليه من وقت للتاني، لكن ما قبلتش أرجع أشتغل عنده.
كنت بدأت أساعد أمي في مشروع صغير لبيع الحلويات البيتية، وكنت عايزة أعيش من تعبي.
وفي يوم، وصلني منه اتصال.
ليلى، محتاجك تيجي القصر.
سألته بقلق:
فيه حاجة حصلت؟
ضحك لأول مرة وأنا بسمع صوته.
مش كل مرة هكلمك فيها يبقى فيه حد بيحاول يتعرض لي.
لما وصلت، لقيته في حديقة القصر.
كان واقف بين جهازين للمساعدة على المشي، وإيده ماسكة القضبان الجانبية.
وشه كان متعرق، وعضلاته مشدودة.
بصلي وقال:
عايزك تشوفي حاجة.
أخد نفس عميق.
رفع رجله بصعوبة.
خطوة واحدة.
وبعدين التانية.
كان جسمه بيرتعش، لكنه فضل واقف.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
إنت واقف يا دومينيك!
ابتسم وقال:
لسه مش قادر أمشي لوحدي. لكن دي أول مرة من سنتين أقدر أقف فيها من غير ما أستسلم.
وبعدين بصلي وقال:
كان نفسي تكوني موجودة في اللحظة دي.
مرت ست شهور.
أمي بدأت تستجيب للعلاج بشكل أفضل، ومشروع الحلويات بتاعنا كبر وبقى عندنا محل صغير في منطقتنا.
أما دومينيك، فكان بيكمل تأهيله يوم ورا يوم.
في الفترة دي، عرفنا إن فيكتوريا وأدهم وفؤاد اتحالوا للمحاكمة بتهم محاولة التعرض والاتفاق غير الشريف والفساد المالي، واتحكم عليهم بعقوبات رادعة بعد ما ظهرت التحويلات والتسجيلات والأدلة.
لكن دومينيك عمل حاجة محدش توقعها.
بدأ ينسحب تدريجيًا من الأنشطة غير المشروعة اللي كان بيحكمها.
سلّم الملفات المالية والقانونية للجهات المختصة، وبدأ يعيد هيكلة شركاته في أنشطة مشروعة.
كان عارف إن ماضيه مش هيتغير بسهولة، لكنه قرر لأول مرة إنه مش عايز يقضي بقية عمره محاط بالقلق والأثر.
وفي يوم، بعتلي دعوة لحفل افتتاح مؤسسة طبية جديدة.
اسمها كان:
مؤسسة الأمل للعلاج والتأهيل.
ولما وصلت، اكتشفت إن المؤسسة بتوفر علاج مجاني للمرضى اللي مش قادرين يتحملوا التكاليف، وخصوصًا الحالات العصبية وإصابات الحوادث.
كنت بتفرج على المكان وأنا مش مصدقة.
لحد ما دومينيك ظهر جنبي.
كان لسه بيستخدم عكاز، لكنه بقى يقدر يتحرك خطوات كتير من غير مساعدة.
قال:
فاكرة اليوم اللي أنقذتيني فيه؟
ضحكت.
صعب أنساه.
قال:
أنا وقتها كنت فاكر إن حياتي انتهت من سنتين، وإن مفيش حاجة تستاهل إني أحارب عشانها.
بص للمبنى.
النهارده فيه ناس كتير هتقدر تاخد فرصة جديدة بسبب المكان ده.
وبعدين مدلي ملف.
فتحته، ولقيت ورق ملكية لمحل كبير في منطقة تجارية، باسمي واسم أمي.
اتصدمت.
إيه ده؟!
قال:
مش هدية. ده مشروع ليكي. سمعت إنك بتحبي الحلويات، وعايزك توسعي شغلك.
قلت وأنا بحاول أرجع الورق:
أنا مش محتاجة كل ده.
ابتسم.
عارف. وعشان كده اخترتك.
بعد الحفل، طلب مني نمشي شوية في الحديقة.
كان فيه هدوء غريب، بعيد عن الحراس والصحفيين والضيوف.
فجأة وقف وبصلي.
ليلى، عايز أسألك سؤال، بس مش عايزك تحسي بأي ضغط.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قال:
من أول يوم شوفتك فيه، كنت فاكر إن كل الناس بتقرب مني عشان فلوسي أو نفوذي. إنتِ الوحيدة اللي شفتيني وأنا ضعيف، ومع ذلك ما استغلتينيش.
سكت لحظة.
أنا مش هطلب منك تنسي ماضيّ، ولا هطلب منك تدخلي عالمي. أنا عايز أبدأ حياة مختلفة… ولو إنتِ شايفة إن ممكن يكون ليا مكان فيها جنبك، هكون أسعد إنسان.
بصيت له وأنا مش عارفة أقول إيه.
كان فيه فرق كبير بين الراجل اللي شفته أول يوم، والراجل اللي واقف قدامي دلوقتي.
قلت له:
أنا مش عايزة أعيش في قصر، ولا أكون محاطة بحراس طول الوقت. أنا عايزة حياة عادية، وراحة بال، وأمي تكون جنبي.
هز راسه.
وده بالضبط اللي أنا عايزه.
ابتسمت وقلت:
يبقى نبدأ من غير وعود كبيرة. خطوة بخطوة.
ابتسم هو كمان.
وكانت دي أول مرة أحس إن ابتسامته حقيقية فعلًا.
بعد سنة ونص…
ما بقيتش الخدامة اللي كانت بتترعش من القلق وهي واقفة قدام أغنى وأخطر رجل في القاهرة.
بقيت صاحبة مشروع ناجح، وأمي بقت أحسن بكتير، وافتتحنا فرع تاني للمحل.




