روايات وقصص

جواب متأخر 20 سنة..

عمري ما تخيلت إن جواب مرمي في كرتونة قديمة فوق الدولاب ممكن يهد حياتي كلها في ثانية. أنا سلمى، 28 سنة، عايشة مع أمي لوحدنا من يوم ما أبويا سافر وانا عندي 8 سنين. أمي دايماً كانت تقولي “أبوك سافر الخليج وبعدها انقطعت أخباره، ربنا يسامحه”. كبرت وأنا شايلة الغضب ده جوايا، غضب من أب ساب بنته وأمها ومشي.

 

من شهر أمي تعبت ودخلت المستشفى، والدكتور قال لازم نفضي البيت عشان ننقلها مكان أوسع وتهويته أحسن. وأنا بفضي أوضتها، لقيت كرتونة خشب مقفولة بقفل مصدي، مكتوب عليها بخط أمي “أوراق مهمة”.

فتحتها.

لقيت جواها فستان فرحي وأنا صغيرة، وصور، و… 32 جواب. كلهم بخط واحد، بخط رجالي، وكلهم باسمي.

“إلى ابنتي الحبيبة سلمى”

أول جواب كان تاريخه 2006: “حبيبتي سلمى، النهاردة أول يوم ليكي في المدرسة، كان نفسي أوصلك بإيدي…”

تاني جواب 2007: “سلمى كبرت وبقت في سنة تالتة، أمك بعتتلي صورتك وانتي ماسكة الشهادة…”

فضلت أقلب وأنا إيدي بتترعش، لحد ما وصلت لآخر جواب، تاريخه من 3 شهور بس! وكان مكتوب فيه: “أنا تعبت يا سلمى، والدكاترة بيقولوا مفيش وقت كتير، نفسي أشوفك مرة واحدة قبل ما أموت، أنا ساكن في نفس العنوان القديم في إسكندرية، مستنيكي”.

32 جواب في 20 سنة.. وأمي كانت مخبية كل ده؟

جريت على المستشفى وأنا ماسكة جواب منهم، دخلت عليها وقلت لها بانهيار: “ليه؟ ليه عملتي فيا كده؟ ليه فهمتيني إنه هو اللي سابنا؟”

أمي بصت للجواب، وعينيها اتملت دموع، وقالت جملة واحدة خلت الدم ينشف في عروقي:

“عشان اللي عمله فيا مكنش ينفع يتغفر يا سلمى.. بس اللي انتي متعرفيهوش إن أبوكي مرجعش من يوم ما طردته..”

يعني إيه طردته؟ أبويا مسبناش؟ أمي هي اللي طردته؟

سألتها يعني إيه، مردتش، بس دموعها كانت بتقول إن وراها حكاية أكبر من كل الجوابات دي.

تاني يوم الصبح كنت راكبة قطر إسكندرية، ورايحة على العنوان اللي في الجواب، وقلبي بيدق كأنه هيخرج من صدري. 20 سنة غضب بيتحولوا لخوف.. يا ترى حلحقه؟ يا ترى هيسامحني إني مصدقتش إنه بيحبني؟

وصلت للعنوان.. بيت قديم لونه أزرق على البحر. خبطت على الباب..

الباب اتفتح، وخرجت ست كبيرة، ولما شافتني شهقت وقالت: “سلمى؟ انتي سلمى بنت محمد؟”

قلت لها أيوة.. قالتلي وهي بتعيط: “إلحقيه يا بنتي.. ده في المستشفى من امبارح وبينده باسمك طول الليل..”

انتهى الجزء الأول.. تفتكروا أبو سلمى عمل إيه يخلي أمها تطرده وتحرمها منه 20 سنة؟ وهل سلمى هتلحق تشوفه؟ استنوا الجزء التاني بكرة الساعة 8.

الجزء الثاني – الحقيقة:

جريت مع الست على مستشفى الميري، قلبي هيقف. دخلت الأوضة لقيت راجل عجوز نايم على السرير، مركب أجهزة كتير، ووشه أصفر وتعبان، بس أول ما شافني.. نفس ملامحي في المراية.

فتح عينيه بالعافية وقال بصوت واطي: “سلمى؟”

اترميت على إيديه وبقيت أعيط زي العيال الصغيرة، 20 سنة وجع طلعوا مرة واحدة. قالي: “سامحيني يا بنتي إني معرفتش أوصلك..”

بعدها بيومين لما فاق شوية، حكالي كل حاجة.

أبويا زمان كان شغال سواق نقل تقيل، وفي مرة عمل حادثة كبيرة ومات فيها واحد صاحبه، وأهل صاحبه رفعوا عليه قضية وطالبوا بتعويض كبير. أبويا باع كل حاجة، حتى دهب أمي، عشان يسد التعويض وميتسجنش. أمي مقدرتش تستحمل الفقر المفاجئ، وخافت عليا، فطلبت منه يبعد لحد ما الدنيا تهدى، وقالتله “ابعد لحد ما أعرف أربي البنت”.

هو افتكرها بتطرده عشان فقير، وهي افتكرت إنه هيرجع لما يلاقي شغل. العند والكبرياء دخلوا بينهم. هو كان بيبعت جوابات وفلوس كل شهر على بيت جدتي، وجدتي كانت بتدي الفلوس لأمي وتخبي الجوابات عشان “متلخبطش البنت”. وجدتي قبل ما تموت ادت الكرتونة لأمي وقالت لها “حرام عليكي”.

أمي لما شافت الفلوس كانت بتربيتي، بس الجوابات فضلت حبيسة الكرتونة، كانت خايفة أواجهها وأكرهها.

أبويا قالي: “أمك معذورة يا سلمى، كانت صغيرة وخايفة، وأنا كمان كنت عنيد، كان المفروض أرجع وأخبط على الباب برجلي قبل إيدي”.

رجعت القاهرة وجبت أمي من المستشفى على كرسي، وسافرنا إحنا الاتنين لإسكندرية. اللحظة اللي أمي وأبويا شافوا بعض بعد 20 سنة، محدش في الأوضة مقدرش يمسك دموعه. أمي وطت على إيده باستها وقالتله: “سامحني”.

أبويا قعد معانا شهر كمان في المستشفى، وبعدها خرج وبقى كويس، ورجعنا كلنا بيتنا الصغير في الجيزة. البيت اللي كان ناقص ركن رجع كمل.

النهاردة أبويا قاعد في البلكونة اللي في الصورة دي، بيحكيلي عن كل عيد ميلاد كتبه في جواب ومعرفش يحضره، وأنا بعمل شاي لأمي وأبويا مع بعض لأول مرة من وأنا طفلة.

اتعلمت إن مش كل غياب معناه قسوة، ساعات بيكون وراه قصة حب كبيرة بس تاهت في سكة العناد. وساعات جواب واحد متأخر، ممكن يصلح عمر بحاله.

لو ليك حد واحشك.. متستناش 20 سنة. ابعتله النهاردة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى