
في اللقاء، منه اختارت الورق والألوان. رسمت بيتًا، وبعدين رسمت نفسها قدام الباب. بعد كده رسمت رجلًا بعيدًا عن البيت، وحطت خطًا بينه وبين الباب. كتبت الأخصائية الكلمات اللي قالتها، من غير ما تصححها:
سامح قال لي ما تدخليش لو هو موجود.
أمها بصت لها باستغراب:
مين هو يا منه؟
منه أشارت لرسمة الرجل، وبعدين قالت:
جوز بنت عمي.
أنا حسيت بصدمة، لكن الأخصائية سألتها بهدوء:
سامح قال لك إنك ما تدخليش بيت بنت عمك لو جوزها موجود؟
منه هزت راسها.
الأخصائية سألت:
وقال لك ليه؟
منه سكتت فترة طويلة. بعدين قالت:
قال عيب عيب.
أمها سألتها:
هو قال لك إن جوز بنت عمك بيعمل حاجة غلط؟
منه هزت راسها بسرعة، وبعدين قالت:
لأ سامح قال عيب.
هنا بدأت الصورة تتضح. سامح كان قال لمنه إن وجودها مع جوزي في البيت عيب، وإنها ما ينفعش تدخل لو هو موجود. ومنه، بسبب صعوبة فهمها للتلميحات والحدود الاجتماعية، كانت بتفسر الكلام بشكل حرفي. كل ما تشوف جوزي، تفتكر التحذير اللي سمعته، فتخاف وتصرخ وتشد هدومها عليها، من غير ما تكون بتتهمه بحاجة حصلت فعلًا.
لكننا ما زلنا محتاجين نفهم ليه سامح قال لها الكلام ده، وليه كان مصر إنها ما تدخلش بيتنا. والأخصائية أكدت إننا ما نقدرش نعرف قصده من غير ما نسمعه، وإن الأهم هو إن منه ما تتعرضش لأي ضغط، وإننا ما نواجههاش بأسئلة توحي لها بإجابة معينة.
في نفس اليوم، اتصلت أم منه بسامح. قالت له إننا محتاجين نفهم كلام قاله لمنه من فترة، وإن الموضوع تسبب في خوف وارتباك كبيرين. سامح اتوتر، وقال إنه مش فاكر حاجة، وإنه كان بيهزر معاها.
أم منه ردت:
الهزار اللي يقلقها بالشكل ده مش هزار. إحنا محتاجين نعرف إنت قلت لها إيه بالضبط.
سامح قال إنه مشغول، وقفل المكالمة.
بعدها، أم منه اتصلت بعمي وحكت له كل حاجة. عمي اتضايق جدًا، وقال إنه هيحاول يتكلم مع سامح بنفسه. وأنا رجعت البيت، وحكيت لجوزي اللي عرفناه. فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
يعني هي ما كانتش بتتهمني هي كانت خايفة من كلام اتقال لها.
قلت:
أيوه، بس لازم نفهم أكتر. ومهما كان، إحنا غلطنا لما سيبنا الشك يكبر من غير ما نعرف الحقيقة.
جوزي نزل عينه وقال:
وأنا غلطت لما فقدت أعصابي. كان لازم أتحكم في نفسي، حتى لو كنت مظلوم.
اتفقنا إننا لما نشوف منه تاني، نعتذر لها عن اللي حصل، ونأكد لها إن محدش هيجبرها تدخل مكان هي مش مرتاحة فيه.
بعد يومين، عمي رجع من عند سامح ومعاه كلام غريب. قال إن سامح اعترف إنه قال لمنه ما تدخلش بيتنا لو جوزي موجود، لكنه ادعى إنه كان بيحاول يحميها من الكلام اللي الناس ممكن تقوله. عمي سأله ليه تقول لها إن وجودها مع جوز بنت عمها عيب؟ سامح رد إنه ما كانش يقصد حاجة، وإنه ما توقعش إنها هتفضل تكرر الكلام.
لكن عمي ما اقتنعش. قال إن الكلام مش بسيط، وإنه كان لازم يفكر في تأثيره عليها، خصوصًا إنه عارف إنها بتاخد الكلام حرفيًا.
الأخصائية قالت لنا إن الاعتراف ده بيفسر جزءًا كبيرًا من التصرفات، لكنه ما يكفيش وحده عشان نعرف كل التفاصيل. وطلبت مننا نركز على تصحيح الفكرة عند منه، بطريقة واضحة ومتكررة.
قعدت معاها أنا وأمها، وقلنا لها:
يا منه، إنتِ مش عملتي حاجة غلط لما جيتي بيتنا. وجوز بنت عمك ما عملش حاجة غلط. الكلام اللي اتقال لك كان غلط، ومش لازم تخافي منه.
منه بصت لنا، وبعد شوية سألت:
يعني أدخل؟
قلت:
لو إنتِ حابة تيجي، تيجي مع ماما أو معايا، وفي أي وقت تكوني مرتاحة فيه. ولو مش حابة، ده حقك برضه.
منه ابتسمت ابتسامة صغيرة، وبعدين قالت:
وجوز بنت عمي؟
قلت:
هو مش زعلان منك. هو آسف إنه زعق لك، ومش هيقرب منك إلا لو إنتِ مرتاحة.
منه فضلت ساكتة، وبعدها طلبت تشوف الولدين. حسيت إن أول عقدة بدأت تفك، لكن لسه فيه حاجة أخيرة لازم تحصل سامح لازم يواجه أثر الكلام اللي قاله، ومنه لازم ترجع تحس إن بيتنا مكان آمن، مش مكان تخاف منه.
الجزء الرابع
بعد ما عرفنا إن سامح هو اللي قال لمنه الكلام اللي خوفها، عمي قرر يجمع العيلة في قعدة هادية. ما كانش هدفه يعمل مشكلة أو يفضح حد، لكن كان عايز يحط حد للكلام اللي اتقال، ويضمن إن منه ما تتعرضش لنفس الارتباك مرة تانية.
سامح جه القعدة وهو متضايق، وقعد بعيد عن منه. الأخصائية كانت موجودة، واتفقنا إن محدش يضغط عليها، ولا يطلب منها تحكي قدام الناس. هي كانت قاعدة جنبي، ماسكة كراسة.
لكن في نفس اليوم، حصلت مشكلة تانية. واحد من الجيران كان سمع جزءًا من الحكاية القديمة، وبدأ يلمّح بكلام مش مريح لما شاف جوزي. جوزي تجاهله في الأول، لكن لما كرر كلامه، وقف وقال له:
لو عندك سؤال، اسألني بوضوح. إنما التلميحات دي مش مقبولة.
الراجل ارتبك وقال إنه ما يقصدش حاجة، وإنه سمع كلامًا من الناس. جوزي رد:
الناس ظلمت منه لما ما فهمتش تصرفاتها، وظلمتني لما صدقت من غير ما تعرف. إحنا فهمنا الحقيقة، ومش هسمح لحد يفضل يكرر كلام يضايقنا.
لما رجع البيت، كان متضايق. قلت له:
سيبك منهم. المهم إن اللي يعرفنا عارف الحقيقة.
قال:
أنا مش هفضل أشرح نفسي لكل الناس، بس لو حد اتكلم بطريقة تضايق منه أو تضايقك، لازم أوقفه.
في المساء، قعدنا مع منه وأمها. حبيت أتأكد إنها مش سمعت أي كلام من الجيران. سألتها بشكل عام:
يا منه، لو حد قال لك كلام ضايقك، تعملي إيه؟
قالت:




