
أقول لماما.
قلت:
صح. وممكن تقولي لي أنا كمان.
وبعدين سألت:
ولو حد قال لك إن جوز بنت عمك عمل حاجة وحشة؟
منه بصت لي، وقالت:
هو ما عملش حاجة. سامح قال عيب.
أمها ابتسمت وقالت:
أيوه، وإحنا فهمنا الكلام.
ما زودناش أسئلة. كان كفاية إنها قدرت تفرق بين اللي حصل فعلًا وبين الكلام اللي اتقال لها.
بعدها بأسبوع، عمي قرر يتكلم مع باقي العيلة، عشان يوقف أي إشاعات. قال لهم إن منه كانت بتكرر كلامًا سمعته، وإنه اتضح إن الكلام اتقال لها بطريقة خلتها تفهمه غلط. وأكد إن جوزي ما ضايقتها، وإنه اعتذر لها عن صوته العالي وطريقته وقت الغضب.
بعض الناس اعتذروا، وبعضهم اكتفى بالصمت. أنا ما كنتش منتظرة اعتذار من كل واحد، لكن كنت محتاجة الحكاية تقف عند حدها، وما تبقاش سببًا في ضرر جديد.
الجزء السابع
في عيد ميلاد منه، قررنا نعمل لها احتفالًا بسيطًا في بيت عمي. كانت بتحب الألوان والبالونات، فجهزنا لها كعكة صغيرة، وزينّا الصالة برسومات الولدين. منه كانت فرحانة جدًا، وكل شوية تسأل أمها:
الناس هتيجي؟
أمها ترد:
أيوه، وهيقعدوا معاكي شوية.
جوزي كان متردد يحضر، خوفًا من إنها تتوتر أو من إن حد يفتح الموضوع القديم. لكن أنا قلت له:
خلينا نسألها هي. لو حابة وجودك، يبقى تيجي. ولو مش حابة، نحترم رغبتها.
لما سألت منه، فكرت شوية، وبعدين قالت:
ييجي.
جوزي راح بدري، وسلم عليها من بعيد. منه ابتسمت وقالت:
عيد ميلادي.
قال:
كل سنة وإنتِ طيبة يا منه.
وبعدين قدم لها علبة ألوان جديدة. فرحت بيها، وقعدت تفتحها واحدة واحدة. ما كانش فيه أي توتر، ولا صريخ، ولا خوف. كانت مجرد بنت بتحتفل بعيد ميلادها وسط ناس بتحبها.
في نص الاحتفال، منه قامت وجابت ورقة، ورسمت بيتًا كبيرًا. رسمت نفسها وأمها وأنا وجوزي والولدين وعمي، وبعدها رسمت سامح بعيد شوية عن البيت. لما خلصت، مدت الورقة للأخصائية اللي كانت جاية تطمن عليها.
الأخصائية سألتها:
تحبي تحكي لي عن الرسمة؟
منه أشارت للبيت وقالت:
دول أهلي.
وبعدين أشارت لسامح وقالت:
هو قال عيب.
الأخصائية سألت:
وإنتِ دلوقتي حاسة بإيه؟
منه قالت:
مش خايفة.
كانت جملة بسيطة، لكنها بالنسبة لينا كانت أهم من أي كلام طويل. أمها دمعت عينيها، وأنا مسكت إيدها، وجوزي وقف بعيد وهو بيبص للرسمة. ما حدش حاول يطلب من منه تسامح سامح، ولا يطلب منها تنسى اللي حصل. المهم إنها بقت فاهمة إن الخوف اللي عاشته ما كانش بسببها، وإنها تقدر تقول لأ وتطلب المساعدة.
بعد الاحتفال، وأنا بلمّ الأطباق، لقيت جوزي واقف عند باب الصالة. قال:
فاكرة يوم ما رسمت على الأرض؟
قلت:
عمري ما هنساه.
قال:
وقتها كنت فاكر إنها بتتهمني، وكنت مخنوق من نظرات الناس. ما فكرتش إنها بتحاول تقول لنا حاجة بطريقتها.
قلت له:
وإحنا كلنا اتسرعنا. حتى أنا شكيت فيك في الأول.
رد:
طبيعي إنك تخافي وتفهمي اللي بيحصل، بس المهم إننا ما وقفناش عند الشك. دورنا لحد ما فهمنا.
سكتنا شوية، وبعدين قال:
أنا اتعلمت إن الواحد ممكن يكون مظلوم، وبرضه يضايق غيره لما يفقد أعصابه. اللي حصل مع منه ما كانش سهل، لكن اعتذاري لها كان لازم.
بعد أيام، سامح بعت رسالة لعمي، وقال فيها إنه ندمان على الكلام اللي قاله، وإنه فهم إنه ما كانش من حقه يقلق منه أو يتصرف بدل أهلها. عمي ورّى الرسالة لأم منه، وهي قررت إن الاعتذار يوصل لمنه من خلال الأخصائية، وبطريقة بسيطة ما تضغطش عليها.
منه سمعت الاعتذار، وبعدها قالت:
خلاص.
ما كانش مطلوب منها تقول أكتر من كده. هي مش مطالبة تحمل مسؤولية مشاعر الكبار، ولا تصلح كل اللي اتكسر بينهم. كان من حقها بس إنها تعيش في أمان، وتعرف إن كلامها مسموع.
ومع الوقت، رجعت حياتنا لطبيعتها. منه بقت تيجي تزورنا، وتلعب مع الولدين، وتطلب من جوزي أحيانًا يساعدها في تركيب لعبة، وهو كان يسألها قبل ما يقرب أو ياخد حاجة من إيدها. بقت علاقتهم أبسط وأوضح، مبنية على احترام راحتها وحدودها.
أما الرسمة اللي رسمتها يومها على الأرض، ففضلت محفورة في ذاكرتي. وقتها شوفنا خطوطًا غريبة، لكن الحقيقة كانت أبسط وأعمق منه كانت بتحاول تقول إنها سمعت تحذيرًا، وإنها مش فاهمة سببه، وإنها محتاجة حد يسمعها من غير ما يقلقها.
واللي اتعلمناه من الحكاية إن الخوف مش دليل على ذنب حد، وإن التصرف الغريب مش معناه إننا نعرف سببه من أول نظرة. لازم نسأل بهدوء، ونسمع من غير ما نلقّن، ونحمي الشخص اللي مش قادر يشرح نفسه بسهولة.
وفي آخر زيارة لمنه، قبل ما تمشي، وقفت عند باب شقتنا وبصت لجوزي. قالت:
أدخل؟
جوزي ابتسم وقال:
البيت بيتك، يا منه. ادخلي لو إنتِ حابة.
منه دخلت وهي بتضحك، وراحت تلعب مع الولدين. وأنا وقفت عند الباب، وبصيت للعتبة اللي كانت يومًا مسرحًا للخوف والشك، وحسيت إننا أخيرًا قدرنا نخليها مجرد باب بيت، مش حد فاصل بين الناس.
ومن يومها، كل ما أشوف رسمة البيت المفتوح اللي منه عملتها، أفتكر إن الحقيقة أحيانًا بتكون موجودة قدامنا، بس محتاجة صبر ورحمة عشان نقدر نفهمها.
١١١، ١١١٩ حنان محمود الجزء الثامن والأخير
بعد شهور من اللي حصل، افتكرت إن الحكاية خلصت، وإننا كلنا رجعنا لحياتنا الطبيعية. منه بقت تزورنا من غير خوف، وجوزي بقى يتعامل معاها بهدوء، وأنا بطلت أترقب كل زيارة كأنها هتكون بداية مشكلة جديدة.
لكن في يوم، وإحنا قاعدين عند عمي، منه كانت بتلعب مع الولدين، وسامح دخل يسلم على العيلة. أول ما شافته، منه سكتت وبصت له، وبعدها قامت وجابت كراستها وقلمها.
قلبي اتقبض، وخفت تكون رجعت تتوتر. لكن الأخصائية كانت موجودة، ففضلنا ساكتين وسبناها تتصرف براحتها.
منه قعدت على الترابيزة ورسمت بيتًا صغيرًا، وبعده بابًا مفتوحًا. وبعدين رسمت نفسها واقفة بره البيت، ورسمت سامح بعيد عنها. رفعت الورقة وقالت:
أنا مش خايفة.
سامح وقف مكانه، ووشه اتغير. قال لها:




