روايات وقصص

بنت عمي عندها اعاقة ذهنية

رجعت البيت وأنا دماغي مشغولة. حكيت لجوزي اللي عرفته، فقال:
يمكن هي بتخلط بيني وبين حد تاني. يمكن حصل موقف مع سامح، وهي مش قادرة تحكيه.

قلت:
بس ليه بتخاف منك إنت تحديدًا؟

رد بحيرة:
يمكن عشان أنا راجل، أو عشان شكل الرسمة اللي عملتها. مش عارف. بس لازم نتكلم مع حد فاهم حالتها، يساعدنا نوصل لها من غير ما نضغط عليها.

اتفقنا إننا نتواصل مع أخصائية تخاطب وتأهيل ذهني كانت أم منه بتتعامل معاها من فترة. وفي نفس الوقت، جوزي قرر يبعد عن البيت لما منه تيجي، مش خوفًا منها، لكن عشان ما تتوترش، وعشان ما يتكررش اللي حصل.

تاني يوم، اتصلت بالأخصائية وحكيت لها اللي حصل. قالت لي إن الأهم إننا ما نوجهش لمنه اتهامات ولا نلقنها إجابات، وإننا نديها فرصة تعبّر بطريقتها، سواء بالكلام أو الرسم أو الإشارة. وقالت كمان إن خوفها ممكن يكون مرتبطًا بتجربة قديمة، لكن ما ينفعش نستنتج حاجة من غير ما نفهم منها بشكل واضح.

الكلام ريحني شوية. حسيت إننا أخيرًا ماشيين في طريق صح، بدل ما كل واحد فينا يفسر تصرفاتها على مزاجه.

بعد يومين، الأخصائية جت بيت عمي. قعدت مع منه في أوضة هادية، وأنا وأمها استنينا بره. بعد وقت طويل، خرجت وقالت لنا إن منه بتفهم بعض الأمور بطريقة مختلفة، وإنها محتاجة وقت عشان تحكي. لكنها لاحظت إن منه بتربط كلمة عيب بحد بيقرب من الباب، وبتكرر جملة ما أدخلش.

سألتها:
يعني إيه؟

قالت:
لسه مش واضح. لكن ممكن تكون شايفة إن فيه قاعدة معينة لازم تتطبق، أو إن حد قال لها حاجة خوفتها. لازم نكمل بهدوء.

في اللحظة دي، أم منه افتكرت حاجة. قالت:
أنا فاكرة إن سامح كان بيقول لها كلام عن إن الرجالة ما ينفعش يدخلوا البيت لوحدهم، وإنها لازم تقفل الباب على نفسها. كان بيقولها الكلام ده على سبيل الهزار، على ما أظن.

الأخصائية ما علقتش على كلامها، لكنها طلبت منها تحكي كل اللي فاكره عن الفترة دي. وأنا حسيت إننا بدأنا نمسك طرف الخيط، لكن لسه مش عارفين نهايته.

الجزء الثالث

بعد زيارة الأخصائية، بقينا نتعامل مع منه بحذر وهدوء. ما بقيناش نسألها أسئلة كتير، ولا نطلب منها تشرح وهي متوترة. لو قالت عيب، كنا بنسألها بهدوء إيه اللي مضايقك؟ ولو ما ردتش، بنسيبها لحد ما تهدى.

جوزي كمان التزم إنه ما يقربش منها فجأة، وما يبقاش معاها لوحدهم، مش لأنه عمل حاجة، لكن عشان هي كانت بتخاف، وعشان نحافظ على راحتها وراحة كل الناس. ومع الوقت، بدأت ترجع تقعد معايا في البيت، بشرط إن جوزي ما يكونش موجود.

في يوم، كانت منه قاعدة معايا ومع الولدين، وبتلعب معاهم بالمكعبات. ابني الصغير قال لها:
تعالي نعمل بيت كبير.

منه فرحت، وابتدت ترتب المكعبات. عملت بيتًا صغيرًا، وحطت قدامه بابًا، وبعدين حطت مكعبًا طويلًا جنب الباب. فجأة وقفت اللعب، وشالت المكعب الطويل، وحطته بعيد، وقالت:
لأ يطلع.

أنا ما سألتهاش مين اللي يطلع. اكتفيت إني قلت:
خلاص، نخلّي البيت مفتوح.

منه هزت راسها، وكملت اللعب. لكن وأنا ببص على ترتيب المكعبات، افتكرت رسمة الأرض. كان فيه باب، وخط طويل، وشخص صغير، وكأنها بتحاول تقول إن حد لازم يخرج عشان هي تدخل.

في المساء، اتصلت بالأخصائية وحكيت لها اللي حصل. قالت إن اللعب ممكن يساعدها تعبّر، وإننا نقدر نستخدم الصور والمكعبات، لكن من غير ما نقترح عليها أحداثًا أو أسماء. طلبت مني أجهز صورًا بسيطة بيت، باب، ناس من العيلة، وأماكن مختلفة، ونخلي منه تختار اللي يناسبها.

الأسبوع اللي بعده، قعدت الأخصائية مع منه ومعاها الصور. منه اختارت صورة بيتنا، وبعدين صورة باب، وبعدها اختارت صورة رجل. الأخصائية حطت قدامها صورًا تانية وسألتها:
مين ده؟

منه أشارت للصورة وقالت:
سامح.

أنا اتفاجئت، لكن الأخصائية فضلت هادية. سألتها:
سامح كان بيعمل إيه؟

منه ما ردتش. اختارت صورة باب، وحطتها فوق صورة الرجل، وبعدين أشارت لنفسها. قالت:
أنا هنا.

الأخصائية سألتها:
كنتِ فين يا منه؟

قالت:
البيت.

وبعدين أشارت لصورة سامح وقالت:
هو قال عيب.

أمها كانت قاعدة جنبها، ووشها اتغير. سألتها بصوت هادي:
قال لك إيه يا منه؟

منه بدأت تتوتر، فالأخصائية وقفت الأسئلة. طلبت من أمها تديها وقت، وقالت إن المهم إنها بدأت تذكر اسمًا مرتبطًا بالموضوع، لكن لسه لازم نفهم طبيعة اللي حصل من غير استعجال.

بعد الجلسة، أم منه كانت متأثرة جدًا. قالت:
أنا كنت فاكرة إن سامح بيهزر معاها. عمره ما جه في بالي إن الكلام ده ممكن يكون مقلقها.

الأخصائية قالت:
مش لازم نفترض الأسوأ، ولا نبرئ حد من غير ما نفهم. خلينا نركز على إن منه تحس بالأمان، وإننا نسمع منها بالطريقة اللي تقدر عليها.

بعدها بأيام، الأخصائية اقترحت إننا نعمل لقاء قصير في بيت عمي، يكون فيه أنا وأم منه فقط، ومنه تختار إذا كانت عايزة تحكي أو ترسم. وافقت، وقلت لجوزي إننا قربنا نفهم سبب خوفها، لكنه قال:
أنا مش عايز أضغط عليها ولا أكون سبب توترها. خليكي معاها، وأنا هفضل بعيد لحد ما هي بنفسها تبقى مرتاحة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى