روايات وقصص

بعد الطلاق شافني طليقي

اتوترت.

— معايا أنا؟

ابتسمت وقالت:

— الناس كلها بتتكلم عن تصميم المكتبة، وعايزين يعرفوا صاحبة الفكرة.

وافقت.

ولما رجعت البيت، كان جوزي قاعد على السفرة وقدامه ورقة.

افتكرت للحظة إنه عرف عن الحوار الصحفي، أو إنه أخيرًا قرر يحتفل بيا.

لكن لما قربت، زق الورقة ناحيتي.

بصيت فيها.

كان طلب نقل عمل إلى مدينة تانية لمدة سنة.

رفعت عيني له وسألته:

— إيه ده؟

قال من غير مقدمات:

— جالي عرض شغل جديد… ووافقت عليه.

— وافقت من غير ما تكلمني؟

— العرض مناسب جدًا.

— ومشروعي؟ وشغلي؟ ومدرسة ليلى؟

رد ببرود:

— شغلك تقدري تعمليه من أي مكان، وليلى ننقلها مدرسة تانية.

— وإنت قررت ده لوحدك؟

شبك صوابعه فوق الترابيزة وقال:

— أنا جوزك، ومصلحتي هي مصلحة البيت.

وقتها فهمت.

هو ماكنش عايزني أختار بين البيت والشغل…

هو كان عايز يختار نيابة عني.

سحب نفسًا وقال:

— هننقل آخر الشهر، واعتبري الموضوع انتهى.

حطيت شنطتي على الكرسي، وقعدت قصاده بهدوء غريب.

وبعدين قلت الجملة اللي خلّت ملامح وشه تتغير لأول مرة:

— لأ… الموضوع لسه ما ابتداش أصلًا.

فضل جوزي باصصلي كأنه مستني أضحك وأقول إن كلامي هزار.

لكن ملامحي ما اتغيرتش.

كرر ببطء:

— إنتِ قلتي إيه؟

سحبت ورقة النقل من قدامي ودفعتها ناحيته.

— قلت إن الموضوع لسه ما ابتداش. إنت وافقت على شغل في مدينة تانية، وقررت تنقلني أنا وبنتك من غير حتى ما تسألنا.

اتكأ على ضهر الكرسي وقال:

— ليلى طفلة، وأنا مش محتاج آخد رأيها.

— وأنا؟

— إنتِ مراتي.

— دي مش إجابة.

عينيه ضاقت، وصوته بدأ يعلى:

— مريم، أنا مش ناقص جدال. العرض ده هيزوّد مرتبي، وهينقلني لمنصب أعلى. أي ست عاقلة كانت هتفرح لجوزها.

— وأنا فرحانة لك… روح واشتغل وحقق اللي إنت عايزه.

حدق فيّ ثواني، وبعدين سأل:

— تقصدي إيه؟

— أقصد إنك تروح لوحدك.

ضرب بكفه على الترابيزة، فاهتزت كوباية المية.

— إنتِ فقدتي عقلك؟

بصيت ناحية أوضة ليلى وقلت بصوت منخفض:

— وطّي صوتك، بنتك نايمة.

— بنتي هتيجي معايا.

— لأ.

وقف فجأة.

— إنتِ بتتحديني؟

قمت أنا كمان، لكني ما عليتش صوتي.

— أنا مش بتحداك. أنا بقولك إن ليلى مستقرة في مدرستها، وأنا مرتبطة بمشروع مهم. لو شغلك محتاجك تسافر سنة، نقدر ننظم حياتنا ونزورك، لكن مش ههد كل حاجة علشان قرار أخدته لوحدك.

ضحك بسخرية.

— مشروع مهم؟ إنتِ صدقتي نفسك فعلًا؟

الجملة وجعتني.

مش لأنها جديدة…

لكن لأنها أكدت كل حاجة كنت بحاول أنكرها.

هو عمره ما شاف شغلي حقيقي.

ولا نجاحي نجاحًا.

بالنسبة له، كنت ست زهقت من القعدة في البيت، فمسكت لابتوب وبدأت تلعب شوية لحد ما ترجع لعقلها.

قلت بهدوء:

— أيوه، صدقت نفسي. وكان لازم أصدقها من زمان.

رفع الورقة من على الترابيزة وقال:

— إحنا مسافرين آخر الشهر، والنقاش انتهى.

وبعدين دخل أوضة النوم وقفل الباب.

وقفت مكاني لحظات.

بعدها دخلت أوضة بنتي.

كانت نايمة وهي حاضنة الأرنب القماشي بتاعها.

قعدت جنبها ومسحت على شعرها.

كنت خايفة.

مش من السفر.

ولا حتى من خسارة المشروع.

كنت خايفة من الحقيقة اللي بقت واضحة قدامي:

جوزي ماكنش شايفني شريكة حياته.

كان شايفني جزءًا من البيت.

زي الكنبة والسفرة والتلاجة…

حاجة موجودة مكانها، ومهمتها تسهّل له حياته.

تاني يوم الصبح، ما اتكلمناش.

حضّرت الفطار، وربطت شعر ليلى، ونزلت أوصلها المدرسة.

وأنا واقفة قدام باب الفصل، سألتني:

— ماما، إحنا هنسيب البيت؟

اتصدمت.

— مين قالك كده؟

— سمعت بابا وهو بيكلم حد في التليفون، وقال إننا هنسافر.

انحنيت قدامها وقلت:

— ما تقلقيش. مهما حصل، أنا وبابا بنحبك، ومحدش هياخد قرار يزعلك.

بصتلي بقلق.

— طيب هسيب صحابي؟

ماعرفتش أرد.

حضنتها وقلت:

— ادخلي فصلك دلوقتي، وأنا أوعدك إننا هنتكلم في كل حاجة.

بعد ما دخلت، فضلت واقفة قدام المدرسة.

كنت غاضبة.

مش بس لأنه قرر وحده…

لكن لأنه بدأ يقول للناس قبل ما نتفق.

وصلت المكتب، ودخلت الاجتماع، لكن عقلي كان بعيدًا.

ياسين لاحظ إني مسحت التصميم نفسه تلات مرات.

استنى لحد ما الاجتماع خلص، وبعدها سألني:

— فيه حاجة حصلت؟

— شوية مشاكل في البيت.

— هتأثر على شغلك؟

كان سؤاله مباشرًا، من غير فضول.

قلت:

— جوزي وافق على نقل شغله لمدينة تانية، وعايزنا نسافر معاه آخر الشهر.

سكت لحظة، وبعدها قال:

— وإنتِ عايزة إيه؟

السؤال كان بسيطًا جدًا.

لكن ماحدش سألنيه قبل كده.

كل الناس كانت بتسأل:

جوزك قرر إيه؟

بيته محتاج إيه؟

بنتك هتعمل إيه؟

لكن لأول مرة حد سألني أنا عايزة إيه.

قلت:

— عايزة أكمل المشروع.

— يبقى كمّليه.

بصيتله.

— الموضوع مش بالسهولة دي.

— أكيد مش سهل. لكن القرار الصعب مش معناه إن حد تاني ياخده مكانك.

جمع أوراقه وقبل ما يمشي قال:

— عندك موهبة حقيقية يا مريم. لو سيبتيها المرة دي، لازم تكوني عارفة إن الرجوع ممكن يبقى أصعب.

رجعت البيت وأنا مقررة أتكلم مع جوزي بهدوء.

لقيته بيحط هدومه في حقيبة سفر صغيرة.

سألته:

— رايح فين؟

— هبدأ الشغل الجديد الأسبوع الجاي. هقعد في فندق لحد ما ألاقي شقة مناسبة.

— وإحنا؟

— تلحقوني آخر الشهر.

قلت بحسم:

— أنا وليلى مش هنسافر.

وقف عن ترتيب ملابسه.

— واضح إن الناس اللي حواليكي لعبوا في دماغك.

— محدش لعب في دماغي.

— أمال مين خلاكي تتغيري بالشكل ده؟ المدرّب بتاعك؟

فهمت قصده، فشعرت بإهانة شديدة.

— ما تدخلش راجل محترم في خلافاتنا لمجرد إنك مش قادر تتقبل إن رأيي اتغير.

اقترب مني وقال:

— إنتِ قبل ما تدخلي الشغل ده كنتِ عارفة واجباتك كويس.

— وأنا دلوقتي عرفـت حقوقي كويس.

اتجمّد وجهه.

ولأول مرة، حسيت إن الجملة خوّفته.

مش لأنها تهديد…

لكن لأنها أعلنت إن الست اللي كان متأكد إنها عمرها ما هتمشي، بدأت تعرف إنها قادرة تقف على رجليها.

قال:

— لو فضّلتي هنا، مصاريف البيت كلها تبقى مسؤوليتك.

— موافقة.

— ومدرسة ليلى؟

— هدفعها.

— والفواتير؟

— هدفعها.

ابتسم بسخرية وقال:

— بالتصميمات الصغيرة بتاعتك؟

دخلت أوضة المكتب، ورجعت بعقد المشروع.

فتحته قدامه على صفحة الأجر.

اتغيرت ملامحه أول ما شاف الأرقام.

قرأها مرة، وبعدين رفع عينيه ناحيتي.

— إنتِ بتاخدي المبلغ ده؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى