
جوزي سابني وراح قعد مع أمه عشان رفضت أديه 28 ألف جنيه من مكافئتي يجيب بيهم كرسي جيمينج.. ورجعلي بعد شهر وفاكر إني هموت من العياط ومرمية في البيت، بس اتفاجأ إني حجزت رحلة سفر فاخرة.. وبعصبية قال لي بصوت عالي: هو أنتي ما صدقتي بعدت عنك ورايحة تصرفي فلوسك؟.. بصيت له بابتسامة وهدوء، وشاورْت له على 7 كراتين كبار مكنش لسه شافهم!
لو مش هتديني الـ 28 ألف بتوع المكافأة عشان أجيب كرسي الألعاب، أنا ماشي ورايح لأمي! ومش راجع غير لما تتعلمي الاحترام!..
دي كانت كلمات جوزي كريم وهو بيضع هدومه جوه الشنطة بسرعة. عنده تلاتة وثلاثين سنة، وشغال بوظيفة كويسة، بس عنده عادة مستفزة إنه شايف كل قرش أنا بجمعه من تعبي ملكه وحده. أنا اسمي مريم، عندي خمسة وثلاثين سنة، وشغالة مسؤولة إدارية في عيادة خاصة في التجمع الخامس. متجوزة من ست سنين.
المبلغ ده كان مكافأة ربع سنوية بعد ما طلعت روحي في شغل أواخر الأسبوع والنبطشيات. وكريم كان عايز ياخده عشان يجيب كرسي ألعاب جديد بلموات وإضاءات وساوند سيستم. والمشكلة إنه لسه جايب واحد زيه من سبع شهور بس! الكرسي القديم وجعني في ظهري!.. قالها بكل برود.
طب روح لدكتور يا كريم.. لكن الفلوس دي مش للرفاهية دي، أنا محتاجة أجيب جزمة، وادفع كشف الدكتور، وأشيله للضرورة. ضحك بسخرية: طول عمرك أنانية.. لو كنت أعرف كده مكنش اتجوزتك من أساسه!
حسيت بحاجة جوايا انطفت تماماً. طول سنين جوازنا، كنت أنا اللي شايلة مصاريف البيت: السوبر ماركت، المنظفات، الفواتير، وحتى الجزء الأكبر من الإيجار. وكريم كان دايماً يقول إنه بيحوش عشان نشتري أرض، من غير ما أشوف مليم واحد محوشه. لو عايز أكل نضيف، أنا اللي بجيبه. لو عايز يتعشى بالليل، أنا اللي بقوم أعمله. لو ساب كوكتيل من الهدوم الوسخة، أنا اللي بغسلها. بس لما أنا كنت بطلب حاجة، مكنش بيتقال غير: معليش.
أنا رايح لأمي!.. كررها وهو بيقفل الشنطة بقوة. وهتشوفي هترجعي تترجي في رجليا إمتى عشان أرجع! كان مستني أنزل أعيط وأبوس على إيده. بدل ما أعمل كده، بعدت عن الباب بهدوء وقلت: تمام.. بس سيب مفتاح الشقة.
وقف مذهول: قصدك إيه بمفتاح الشقة؟
طالما رايح تقعد عند أمك، مفيش داعي تفتح الشقة على مزاجك وإحنا منفصلين مؤقتاً. وضع المفتاح على التربيزة وقال: هتندمي يا مريم!
أول ما الباب اتقفل، وقفت ساكتة ثواني.. بعدها دخلت المطبخ. ولأول مرة من سنين طويلة، الحوض كان نضيف ومفيش كراكيب ولا أطباق ملمومة. نمت نومة متواصلة تمن ساعات كاملة.
تاني يوم نزلت السوبر ماركت.. في العادة، كريم كان بيملا العربية بلحوم غالية وأجبان مستوردة ومشروبات طاقة بتترمى. المرة دي اشتريت بيض، فراخ، خضار، وحاجات أنا محتاجها بجد. لما حاسبت، لقيت نفسي دافعة ربع المبلغ اللي متعودة أدفعه!
خلال الأسبوع اللي بعده، حصلت حاجة أغرب: البيت فضل نضيف، الهدوم متراكمتش، وقدرت أرجع أقرا كتاب بعد الشغل. أنا مكنش ناقصني كريم.. أنا كان ناقصني الهدوء اللي فقدته من يوم ما اتجوزت. بس في يوم، التليفون رن.. وكانت حماتي كوثر.
مريم.. أنا لازماً أتكلم معاكي في موضوع كريم ابني. كنت فاكرة إنها جاية تجبرني أصالحه وأرجعه. بس الجملة اللي قالتها بعد كده، نزلت على دماغي زي الصاعقة: كريم جه قعد عندي وقال لي إنك إنتِ اللي بتصرفي عشان بتقبضي أكتر، وأنه مش هيدفع مليم طالما قاعد معايا.. بس فيه مشكلة تانية لازماً تعرفيها!
يا ترى إيه هي المفاجأة المرعبة اللي حماتي ناوية تقولهالها، وإزاي مريم هتقلب الطاولة على كريم وأمه؟ انتظروا الجزء الأخير والنهاية اللي هتولع الدنيا!
الجزء الثاني: السر الذي كان مخبأً خلف الكذبة الكبرى
ركبت السيارة وأنا قلبي يدق بسرعة مش عارفة سببها، وصلت لبيت حماتي في أقل من ربع ساعة. أول ما دخلت، لقيت كريم قاعد على حافة الكنبة، راسه محني، وعيناه على الأرض، مش بيشوفني ولا بيكلم. الحاجة كوثر جابت لي كوب شاي دافئ، وقعدت قدامي، وتنهدت بعمق طويل كأنها بتخرج حمل ثقيل من جواها.
يا بنتي مريم.. والله ما عرفت إزاي أقولك الكلام ده، بس لازم تعرفيه، قبل ما تدفعي تمن سنين ضاعت منك من غير ذنب. كريم لما جالي أول أمس، كان مفكر إني هصدق كل اللي بيقوله.. إني هصدق إنه بيتحمل كل مصاريف البيت وأنتي اللي بتبخلي وتدخري فلوسك لنفسك. بس أنا أم.. وأنا عارفة ابني أكتر من أي حد. سألته مرّة، واتنين، وعشرة، ولما شفت دموعه بتبيّن وبيحاول يخبيها، قلتله: إما تقولي لي الحقيقة كلها، أو تروح عن بيتي ومش تكلمني تاني يوم في عمري.
سكتت للحظة، مسحت دمعة نزلت على خدها، وكملت بصوت مهتز: اكتشفت إن الـ 28 ألف مش عشان الكرسي.. ده كان عشان يسدد قرض أخده من أصحابه، والقرض ده أصلاً أخده يسدد بقايا ديون قديمة. والديون دي مش جاية من العدم.. هو من سنتين ونص تقريبًا خسر مبلغ كبير في مشروع فاشل ما حكالك عنه ولا كلمة. وقعد يدفع أقساط الفوائد شهريًا.. من وين؟ من الفلوس اللي كان بيقولك إنه بيحوشها للمستقبل، ومن الفلوس اللي كنت بتديهاله من وقت للتاني، وحتى من مصروف البيت اللي كنتِ تدفعيه أنتِ وتخففي عنه الحمل. وأخطر من كل ده.. هو بيقول للكل إنك أنتِ اللي رافضة تعيشي معاه وإنك طردتيه، عشان الناس تتعاطف معاه وتلومك أنتِ!
جمدت في مكاني. مش من الحزن.. من الصدمة. كل القصص اللي كان بيحكيها، كل الوعود بقطعة الأرض والبيت الكبير، كل شكواه من أنني أنانية.. كانت مجرد ستار يخبي وراه حقيقة مرعبة إنه مديون، ومش قادر يواجهني، فاختار أن يستمر في سرد الكذبة حتى آخر لحظة.




