روايات وقصص

بعد الطلاق شافني طليقي

أرجع قبل معاد خروجها، أقعد معاها، وبعد ما تنام أفتح اللابتوب وأكمل شغلي لحد الساعة واحدة أو اتنين بعد نص الليل.

كنت متعبة.

لكن لأول مرة، كان تعبي ليه معنى.

كل أسبوع كنت بتعلم حاجة جديدة.

وكل مرة كانت واحدة من أفكاري تتنفذ، كنت أحس إن جزءًا ضاع مني بيرجع لمكانه.

بعد شهرين، ياسين طلب مني أكون مسؤولة عن تصميم المكتبة والمسرح الصغير.

قلتله بقلق:

— مسؤولية كبيرة.

رد بضيق:

— دي مش الفكرة. الفكرة إن البيت بقى ماشي من غير نظام.

كنت أقدر أقوله إني وقّعت عقدًا بخمسة وأربعين ألفًا.

كنت أقدر أفتح شنطتي وأوريه الورق.

لكن طريقته خلت الكلمات تقف في زوري.

دخلت أوضتي وغيّرت هدومي.

وبعدها خرجت أجهّز لبنتي حمامها وأراجع معاها واجبها.

قبل ما تنام، حضنتني وقالت:

— إنتِ كنتِ في المدرسة يا ماما؟

ابتسمت وسألتها:

— مدرسة إيه؟

— المدرسة اللي بتعلم الكبار.

قلت لها:

— أيوه… ممكن نقول كده.

بصتلي بعيونها الواسعة وقالت:

— لما أكبر عايزة أبقى شاطرة زيك.

الجملة دي كانت أول تهنئة أخدتها في اليوم كله.

بوست جبينها وغطيتها كويس.

ولما خرجت، لقيته واقف في الطرقة.

واضح إنه كان سامع كلامنا.

سألني:

— اجتماع الشغل ده كان بخصوص الفندق؟

— لأ، مشروع جديد.

— مشروع إيه؟

— تجديد شارع ثقافي قديم.

رفع حاجبه.

— وإنتِ هتشتغلي فيه؟

— أيوه.

ضحك ضحكة صغيرة وقال:

— غريبة إنهم يختاروا واحدة بقالها سنين بعيدة عن المجال.

نظرتله ثواني.

ماكنتش عارفة هو بيشك في قدرتي، ولا بيحاول يحميني من الفشل بطريقته.

لكني سألته:

— يعني إيه؟

— يعني ما تتعلقيش بالموضوع زيادة. المشروعات الكبيرة مش سهلة، وممكن يستغنوا عنك في أي وقت.

قلت بهدوء:

— ممكن.

— أهو… علشان ما تتصدميش بعدين.

عديت من جنبه ودخلت المطبخ.

ماكنتش عايزة أجادله.

لأن فيه فرقًا كبيرًا بين شخص بينبهك من الوقوع…

وشخص بيتمنى في سره إنك ما تعرفيش تطيري.

بدأ الشغل في المشروع، واتغيّر يومي بالكامل.

كنت بصحى الساعة ستة.

أجهز الفطار.

أوصل ليلى للمدرسة.

وبعدها أروح المكتب أو الموقع.

أرجع قبل معاد خروجها، أقعد معاها، وبعد ما تنام أفتح اللابتوب وأكمل شغلي لحد الساعة واحدة أو اتنين بعد نص الليل.

كنت متعبة.

لكن لأول مرة، كان تعبي ليه معنى.

كل أسبوع كنت بتعلم حاجة جديدة.

وكل مرة كانت واحدة من أفكاري تتنفذ، كنت أحس إن جزءًا ضاع مني بيرجع لمكانه.

بعد شهرين، ياسين طلب مني أكون مسؤولة عن تصميم المكتبة والمسرح الصغير.

قلتله بقلق:

— مسؤولية كبيرة.

د:

— وإنتِ قدها.

ولما التصميم الأول اتعرض على اللجنة، وافقوا عليه من غير تعديل واحد.

رجعت البيت يومها ومعايا علبة حلوى.

كنت مقررة أحتفل مع جوزي وبنتي.

لكن أول ما فتحت الباب، سمعت صوته عاليًا.

— إنتِ كنتِ فين؟ المدرسة اتصلت بيا علشان ليلى تعبت!

قلبي وقع.

جريت عليها، فلقيتها نايمة على الكنبة ووشها أحمر.

حطيت إيدي على جبينها.

كانت حرارتها مرتفعة.

سألته بخوف:

— إيه اللي حصل؟

— اللي حصل إن المدرسة حاولت تكلمك وموبايلك كان مقفول.

طلعت موبايلي، فلقيته فعلًا فصل شحن.

قلت بسرعة:

— أنا آسفة، كنا في عرض مهم وماخدتش بالي من البطارية.

قال بسخرية:

— طبعًا… العرض المهم.

— هي أخدت دوا؟

— أيوه، الدكتور كتب لها خافض حرارة.

قعدت جنب بنتي، وأنا حاسة بالذنب بياكلني.

لكن فجأة فتحت عينيها، ولما شافتني ابتسمت.

— ماما… بابا جه خدني بسرعة.

بصيتله.

لأول مرة من فترة طويلة، شفته مش كزوج غاضب…

لكن كأب وقف جنب بنته لما احتاجته.

قلتله بصدق:

— شكرًا إنك روحتلها.

رد ببرود:

— دي بنتي. طبيعي أروحلها.

نقلنا ليلى لسريرها، وفضلنا جنبها لحد حرارتها ما نزلت.

وفي نص الليل، وإحنا خارجين من أوضتها، قال:

— لازم تختاري يا مريم.

وقفت مكاني.

— أختار إيه؟

— البيت ولا الشغل.

حدقت فيه وأنا مش مصدقة.

— ليه لازم أختار؟

— لأنك مش عارفة توازني بينهم.

— موبايلي فصل مرة، وإنت كنت موجود وروحت جبتها. ده اسمه إننا أبوها وأمها، مش إني فشلت.

قال بعصبية:

— قبل الشغل ده، كل حاجة كانت مستقرة.

— مستقرة لمين؟

سكت.

قربت منه وقلت لأول مرة من غير خوف:

— كانت مستقرة ليك؛ لأنك كنت بترجع تلاقي الأكل جاهز، وبنتك نامت، وهدومك اتغسلت، وأنا مستنياك. لكن أنا ماكنتش مستقرة… أنا كنت باختفي واحدة واحدة.

ملامحه اتشدت.

— محدش طلب منك تختفي.

ضحكت بمرارة.

— لأ، إنت بس كنت مرتاح وأنا بختفي.

سابني ودخل أوضة النوم، وقفل الباب بقوة.

فضلت واقفة في الطرقة لوحدي.

وبعدها دخلت أوضة الضيوف ونمت فيها.

من الليلة دي، بقينا عايشين في بيت واحد…

لكن بيننا مسافة أبعد من أي وقت فات.

بدأ يتأخر بره أكتر.

وبطل يسألني عن شغلي تمامًا.

حتى لما ظهرت صور المشروع في الجرائد، ما علّقش.

وبعد ستة شهور، خلصنا المرحلة الأولى.

وفي حفل افتتاح المكتبة، طلب مني ياسين أطلع على المسرح أشرح فكرة التصميم قدام الصحفيين.

كنت مرعوبة.

لكن لما وقفت تحت النور، وشفت المكتبة اللي كانت متهالكة وبقت مليانة أطفال وشباب، نسيت خوفي.

اتكلمت عن أهمية إننا نحافظ على روح الأماكن القديمة.

وعن إن التجديد مش معناه إننا نمسح الماضي…

لكن إننا نديه فرصة يعيش من جديد.

بعد الحفل، قربت مني صحفية وقالت:

— ممكن نعمل معاكي حوار للمجلة؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى