روايات وقصص

الجارية الخرساء

أنا… أنا مش مسؤول عن التسجيلات دي. الملازم بنفسه هو اللي طلب مني أعمل كده.

بياتريس سابت الدفاتر قدامها، لكنها حفظت الأرقام.

ومن اللحظة دي بدأت تراقب.

كانت بتلاحظ إن إغناسيو بيخرج بعد منتصف الليل أحيانًا، وإنه بيطلب الطباخ يجهز وجبات للأطفال رغم إنه مفيش أطفال في القصر.

وفي إحدى الليالي، استنته لحد ما خرج.

وبهدوء، مشيت وراه من غير ما يحس.

دخل المبنى القديم.

ومن الشباك شافته قاعد على كرسي خشبي، وحواليه الأطفال السبعة.

كان بيضحك.

واحد منهم جري عليه ونط في حضنه وقال

بابا، جبت لي الكتاب اللي وعدتني بيه؟

إغناسيو ضحك وشاله.

قال

طبعًا يا ماتياس. أبوك عمره ما ينسى وعده ليك.

بياتريس حست إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.

بابا؟

أبوك؟

كانت الكلمة بتتكرر في دماغها.

وفجأة، سمعت صوت إيتزيل وهي بتحاول تلفت نظر إغناسيو.

كان معاها ورقة، وبتشاور على الأطفال، وبعدها على نفسها، وبعدين على قلبها.

إغناسيو فهم قصدها، لكن رد بعصبية

مش دلوقتي. أنا قلت لك قبل كده إن موضوع تسجيلهم مش هينفع.

إيتزيل فضلت واقفة قدامه.

أشارت للطفلة الصغيرة، وبعدها حطت إيدها على صدرها.

كانت بتطلب منه يعترف بأولاده.

لكنه قام فجأة وقال

إنتِ فاكرة إنك تقدري تفرضي عليا حاجة؟ أنا اللي بصرف عليهم، وأنا اللي حاميهم من مصير أسوأ.

بياتريس رجعت خطوة لورا.

ما قدرتش تستحمل أكتر من كده.

رجعت للقصر، وفضلت قاعدة في أوضتها لحد ما إغناسيو دخل بعد ساعة.

بص لها باستغراب.

لسه صاحية؟

رفعت عينيها له وقالت

مين إيتزيل؟

وشه اتغير.

حاول يضحك.

إيه السؤال الغريب ده؟

كررت ببطء

مين إيتزيل يا إغناسيو؟

سكت.

فكّت عقدة شعرها، ووقفت قدامه.

أنا شفتك النهارده. وشفت الأطفال. وسمعت واحد منهم بيناديك بابا.

إغناسيو حاول يمسك إيديها.

اسمعيني…

سحبت إيدها بعنف.

لا. إنت اللي تسمعني.

أنا مش هسألك مين أم الأطفال. أنا عايزة أعرف حاجة واحدة بس.

سبعة أطفال يا إغناسيو؟

سبعة؟

وإنت سايبني سبع سنين أسمع الناس بتشمت فيا عشان مش بخلف؟

نزل بعينيه للأرض.

قال بعد لحظة

الموضوع حصل من غير تخطيط.

ضحكت بمرارة.

من غير تخطيط؟ سبع مرات؟

وبعدين إنت كنت بتجيبهم وتعلمهم وتلعب معاهم، لكن أنا كنت بتمنعني حتى أفكر في طفل!

قال

أنا كنت بحاول أحمي العيلة من الفضيحة.

ردت

لأ. إنت كنت بتحمي نفسك من الحساب.

رفع صوته

خلي بالك من كلامك يا بياتريس. إنتِ عايشة في بيتي، وكل اللي عندك من عيلة فالديز.

بصت له طويلًا.

وقالت بهدوء مخيف

وده بالضبط اللي هيخليك تندم إنك فكرت إنك تقدر تشتري سكوتي.

في الليلة دي، نام إغناسيو وهو فاكر إن زوجته هتهدى زي كل مرة.

لكنه مكنش يعرف إن بياتريس بدأت بالفعل أول خطوة في ردها.

في اليوم التالي، راحت بياتريس لبيت المحامي العجوز دون رافائيل أورتيجا.

كان صديق والدها الراحل، وواحد من القلائل اللي كانت بتثق فيهم.

حكت له كل حاجة.

المحامي سمعها من غير ما يقاطعها، وبعد ما خلصت، سألها

إنتِ عايزة تردي عليه إزاي؟

قالت

عايزة كل واحد فيهم ياخد حقه. الأطفال، وأمهم، وأنا كمان.

هز المحامي رأسه.

قال

يبقى لازم نعرف إغناسيو مخبي إيه تاني. لأن راجل يقدر يخفي سبعة أطفال بالشكل ده، أكيد مخبي أكتر من سر.

بياتريس قالت

أنا مستعدة أعرف كل حاجة.

المحامي فتح درج مكتبه، وطلع ملف قديم.

قال

فيه حاجة لازم تعرفيها. والد إغناسيو كتب وصية قبل غيابه. وكان فيها شرط واضح بخصوص الميراث وإدارة المزرعة.

سألته

إيه هو؟

رد

لو ثبت إن إغناسيو ارتكب مخالفات مالية أو استغل سلطته في التجاوز بحق العاملين بالمزرعة، ممكن يفقد حقه في إدارة جزء كبير من الممتلكات.

بياتريس رفعت عينيها.

يعني ممكن نخليه يخسر كل حاجة؟

قال

مش كل حاجة. لكن ممكن نمنعه من استخدام ثروته وسلطته عشان يهرب من مسؤولية أفعاله.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

ولأول مرة من سنين، حست إن عندها طريق واضح.

لكن قبل ما تمشي، قال لها المحامي

فيه نقطة مهمة. إيتزيل والأطفال مش أعداءك. لو عايزة تنتصري، لازم تفهمي إنهم ضحايا زيه زيك.

ردت

أنا عارفة. ومش هسمح لحد يدفع تمن فعل إغناسيو غيره.

خرجت بياتريس من المكتب، وهي مش عارفة إن إيتزيل في نفس الوقت كانت بتجهز هي كمان لخطوة هتغير كل حاجة.

في مساء اليوم التالي، دخلت إيتزيل مكتب بياتريس.

كانت شايلة صندوق خشبي صغير.

وقفت قدامها، وحطته على المكتب.

بياتريس رفعت عينيها باستغراب.

إيتزيل فتحت الصندوق.

كان جواه أوراق قديمة، وقطعة قماش، ودفتر صغير.

إيتزيل أشارت للدفتر، وبعدها حطت إيدها على قلبها.

بياتريس فهمت إنها عايزاها تقراه.

فتحت الدفتر.

وكانت المفاجأة إن الصفحات مكتوبة بخط إيتزيل.

خط بسيط لكنه منظم.

إيتزيل كانت صامتة، لكنها كانت بتعرف القراءة والكتابة.

بياتريس رفعت عينيها بصدمة.

إنتِ بتعرفي تكتبي؟

إيتزيل هزت راسها.

وبعدين أشارت إلى الصفحات.

بدأت بياتريس تقرأ.

كانت إيتزيل بتسجل كل حاجة من أول يوم وصلت فيه المزرعة.

مواعيد إغناسيو، ضغوطه، أسماء الأطفال، المصاريف، وحتى الرسائل اللي كان بيبعتها لها.

وفي آخر صفحة، كانت فيه جملة واحدة مكتوبة بخط كبير

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى