
كانت نظرتها مليانة قلق، لكن جوا القلق كان فيه شيء تاني.
غضب.
غضب مكتوم عمره ما عرف طريقه للكلام.
وبعد شهور، ولدت ولد في غرفة صغيرة خلف المطبخ.
الطفل كان سليم وقوي، ولما إغناسيو عرف إنه ولد، بعت لها ممرضة عجوز عشان تتولى رعايته، وأمر إن الطفل يتسجل باسم مجهول من غير ما يظهر اسم الأب.
لكن اللي إغناسيو مكنش يعرفه إن إيتزيل كانت بتحتفظ بقطعة قماش صغيرة لفّت فيها ابنها أول يوم.
قطعة القماش دي كان فيها حرف محفور بخيط ذهبي.
حرف V.
وقال
نفس الحرف اللي كان موجود على ملابس إغناسيو الرسمية وعلى كل ممتلكات عيلته.
مرت سنة، وبعدها سنتين.
وبدأت الحكاية تتكرر.
كل مرة كانت بياتريس تسافر لزيارة أقاربها أو تقضي أيام في العاصمة، كان إغناسيو يستغل غيابها، وإيتزيل كانت بتعود في كل مرة محملة بقلق جديد.
وخلال السنوات اللي بعدها، خلفت إيتزيل سبعة أطفال.
أربعة أولاد وثلاث بنات.
وكان إغناسيو كل مرة بيحاول يخفي وجودهم أكتر من المرة اللي قبلها.
خصص لهم غرفتين في مبنى قديم خلف الإسطبلات، وجاب مربية اسمها مارتا، ست كبيرة في السن كانت بتشتغل في المزرعة من أيام والد إغناسيو.
وكان ممنوع على الأطفال يدخلوا القصر الرئيسي أو ينادوا إغناسيو بكلمة أب.
ولو حد سأل عنهم، كانت الإجابة إنهم أولاد خادمة غابت بعد الولادة أو أطفال تابعين لعمال المزرعة.
لكن الغريب إن إغناسيو، رغم محاولاته المستمرة لإخفاء الحقيقة، كان متعلق بالأطفال.
كان بيزورهم في بعض الليالي، وبيجيب لهم ألعاب وملابس وأطعمة مستوردة.
وكان بيقعد مع أكبرهم، اللي اسمه ماتياس، يعلمه القراءة والحساب، ويطلب منه يحفظ أسماء أفراد العيلة وتاريخها.
لكن بمجرد ما يسمع صوت عربية بياتريس أو يعرف إنها رجعت من سفر، كان بيختفي من حياتهم وكأنهم مش موجودين.
أما بياتريس، فكانت حياتها من بره شكلها مثالي.
زوجة ضابط محترم، صاحبة قصر واسع، وبتحضر المناسبات الراقية، وبتدير شؤون المزرعة.
لكن من جواها كانت بتعيش في عزلة كبيرة.
إغناسيو بقى بارد معاها، وبدأ يختلق أعذار عشان ينام في مكتبه أو يسافر بحجة العمل.
وفي كل مرة كانت تحاول تفتح معاه موضوع الأطفال، كان بيتعصب.
لحد ما في إحدى الأمسيات، كانت قاعدة معاه على مائدة العشاء، فقررت تتكلم بصراحة.
قالت له
إغناسيو، إحنا بقالنا سبع سنين متجوزين. أنا تعبت من كلام الناس، وتعبت من نظراتهم. نفسي يكون عندنا طفل.
حط الشوكة على الطبق وقال
مش كل حاجة في الدنيا بتحصل زي ما إحنا عايزين.
ردت بهدوء
أنا مش بلومك، لكن ممكن نروح لدكتور تاني. يمكن المشكلة بسيطة.
ضحك بسخرية وقال
إنتِ لسه مصممة تدوري على عيب في نفسك؟ يمكن ربنا مش كاتب لنا أطفال.
الكلام وجعها، لكنها سكتت.
وبعد لحظات أضاف
وبعدين، أنا مش محتاج طفل عشان أثبت إني راجل.
بصت له بصدمة.
كانت أول مرة تسمع منه الكلام ده بالحدة دي.
لكنها مكنتش تعرف إن الحقيقة كانت أقسى بكتير.
في صباح يوم من الأيام، خرجت بياتريس تتمشى في المزرعة.
كانت بتحب تمر على الإسطبلات بنفسها، وتراجع حسابات العمال، وتطمن على مخازن الحبوب.
وأثناء مرورها خلف المبنى القديم، سمعت صوت ضحك أطفال.
وقفت.
الأصوات كانت جاية من غرفة بعيدة، مع إنها عارفة إن المبنى ده مخصص لتخزين الأدوات القديمة.
قربت من الشباك، وبصت من فتحة صغيرة.
وشافت سبعة أطفال قاعدين على الأرض.
أكبرهم ولد عنده حوالي ست سنين، وأصغرهم بنت لسه بتتعلم تمشي.
كانت إيتزيل قاعدة وسطهم، بتسرح شعر واحدة من البنات، وبتضحك معاهم.
بياتريس فضلت واقفة مكانها.
إيه الأطفال دول؟
وليه موجودين في جزء من المزرعة محدش بيستخدمه؟
وفجأة، ظهر إغناسيو من باب جانبي.
قال بعصبية
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
إيتزيل قامت بسرعة، والأطفال سكتوا.
بياتريس بصت لجوزها، وبعدها بصت للأطفال.
قالت
مين دول؟
رد بسرعة
أولاد بعض العمال. مش موضوع مهم.
بياتريس بصت له باستغراب.
أولاد العمال؟ وبيعيشوا هنا لوحدهم؟
قال بحدة
قلت لك مش موضوع مهم يا بياتريس.
لكنها قربت من أكبر طفل.
كان عنده عينين عسليتين وشعر بني غامق.
ولما رفع وشه وبص لها، حست بحاجة غريبة.
كان شبه إغناسيو بشكل يخوف.
نفس شكل الحاجبين، ونفس الذقن، وحتى طريقة الوقوف.
سألته بلطف
اسمك إيه يا حبيبي؟
الولد بص لإيتزيل الأول، وكأنه مستني إذنها.
إيتزيل قربت منه ومسحت على شعره.
بياتريس كررت السؤال.
الولد رد
ماتياس.
ابتسمت له، لكن ابتسامتها اختفت لما شافت إغناسيو بيشد إيده بعيد عنها.
قال
يلا يا بياتريس. عندنا ضيوف مستنيينا.
خرجت معاه، لكن عقلها فضل هناك.
وفي الليلة دي، مقدرتش تنام.
بعد أسبوع، كانت بياتريس بتراجع حسابات المزرعة.
ولاحظت مصاريف غريبة بتتكرر كل شهر.
أدوية أطفال، ملابس صغيرة، حليب، وأجور لمربية.
كل المصاريف دي كانت متسجلة تحت بند صيانة مساكن العمال.
طلبت من المحاسب يشرح لها.
اتوتر وقال
دي مصاريف بسيطة يا سيدتي، تخص بعض العمال اللي عندهم أطفال.
سألته
وليه مش متسجلة بأسمائهم؟
اتلخبط.
قال




