روايات وقصص

بنت عمي عندها اعاقة ذهنية

أنا آسف يا منه.

منه بصت له شوية، وبعدها رجعت للكراسة. ما ردتش، لكن ما صرختش ولا خافت. كانت بتكمل رسمها، وده كان كفاية.

عمي قرب من سامح وقال له بهدوء:
المهم إنك فهمت إن الكلام اللي اتقال وقتها كان غلط. ومنه مش مطلوب منها تنسى أو تسامح على مزاج حد. هي تاخد وقتها، وإحنا نحترم ده.

سامح هز راسه، وقعد بعيد. وبعد شوية، منه قامت وراحت تلعب مع الولدين، وكأنها اختارت بنفسها إنها تكمل يومها من غير ما تدي للموقف أكبر من حجمه.

وأنا كنت ببص لها، حسيت إن أهم حاجة حصلت مش إنها بطلت تصرخ لما تشوف جوزي، ولا إن الناس عرفت الحقيقة، ولا حتى إن سامح اعتذر. أهم حاجة إنها بقت تعرف إن من حقها تقول إنها خايفة، ومن حقها ترفض، ومن حقها تروح لشخص تثق فيه لو حد قال لها كلام مش مفهوم.

في طريق رجوعنا، جوزي قال لي:
أنا كنت فاكر إن اللي وجعني هو شك الناس فيا، لكن دلوقتي شايف إن اللي حصل مع منه كان أصعب. هي كانت خايفة ومش عارفة تشرح، وإحنا كنا بنحاول نفهمها بالعصبية والأسئلة.

قلت له:
إحنا اتعلمنا كلنا. أنا كمان كان لازم أسمعها من غير ما أخاف من كلام الناس.

قال:
المهم إننا ما خليناش سوء الفهم يكبر لحد ما يفرقنا.

رجعنا البيت، ولقيت رسمة منه القديمة لسه موجودة في درج الترابيزة. طلعتها وبصيت لها. كانت الرسمة الأولى فيها باب وخط طويل وشخص صغير، أما الرسمة الجديدة فكان فيها بيت مفتوح وكلنا واقفين جواه.

حطيت الرسومتين جنب بعض، وفهمت الفرق بينهم. الأولى كانت محاولة منها تقول أنا مش فاهمة، وخايفة، ومش عارفة أدخل. والتانية كانت بتقول أنا فهمت، وبقيت مطمنة، وأقدر أختار بنفسي.

ومن يومها، بقت الرسمة الأولى بالنسبة لي تذكيرًا إننا ما نحكمش على حد من تصرف واحد، ولا نعتبر الخوف دليلًا على إن فيه شخص مذنب. والرسمة التانية بقت تذكيرًا إن الصبر والوضوح والاعتذار ممكن يصلحوا حاجات كتير.

أما منه، ففضلت بنت عمي الطيبة اللي بتحب اللعب والألوان، وبتفرح لما الولدين يجروا عليها أول ما تدخل. وجوزي فضل يعاملها باحترام، وهي بقت تعرف إنها تقدر تقرب أو تبعد حسب راحتها، من غير خوف ولا ضغط.

وفي آخر مرة زارتنا، وقفت عند الباب، وبصت لجوزي وقالت:
أنا جاية ألعب.

رد عليها:
اتفضلي يا منه.

دخلت وهي بتضحك، وراحت ناحية الولدين. وأنا وقفت لحظة عند الباب، وافتكرت اليوم اللي رسمت فيه على الأرض، واليوم اللي فهمنا فيه أخيرًا كانت بتحاول تقول إيه.

الحكاية انتهت، لكن الدرس اللي سابته لينا فضل معانا اسمعوا قبل ما تحكموا، واسألوا بهدوء قبل ما تتهموا، وما تضغطوش على حد عشان يشرح حاجة مش قادر يعبّر عنها. أحيانًا، أبسط رسمة ممكن تكون صوت إنسان محتاج حد يفهمه.

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى