
ساعتها حسيت إني وصلت لآخر الطريق.
أنا كنت عايزة أوجع أمهم، لكن الأطفال دول مالهمش ذنب في أي حاجة.
قعدت جنبها لحد ما هديت شوية، واديتهم الأكل، وبعدها خرجت وأنا واخدة قراري.
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما اتأكدت إن الشارع فاضي، وروحت للمخزن، وفتحت الباب.
قلت لهم يلا يا حبايبي، هنروح مكان حلو.
عمر جري عليا وسألني بلهفة هنروح لماما؟
هزيت راسي وقلت أيوه يا حبيبي.
فرحوا، وليلى حضنتني وقالت أنا بحبك يا طنط، بس أنا عايزة ماما.
الكلمة دي كانت كفاية إنها تكسر آخر حاجة جوايا.
وصلتهم لحد شارع بيتهم، وخليتهم يكملوا لحد الباب، وبعدها مشيت بسرعة من غير ما أبص ورايا.
بعد دقائق سمعت صريخ هدى من بعيد.
كانت فتحت الباب وشافت ولادها واقفين قدامها.
جريت عليهم ووقعت على ركبتها وحضنتهم، وفضلت تبوس فيهم وتعيط وتصرخ ولادي! ولادي رجعوا! يا رب لك الحمد! يا رب لك الحمد!
عمر كان بيعيط في حضنها، وليلى ماسكة في رقبتها ومش راضية تسيبها.
محمود جه على الصوت، وأول ما شافهم وقف مكانه مصدوم، وبعدها جري وحضنهم.
البيت كله اتقلب فرحة، واتصلوا بأهلهم، والكل فضل يسألهم كانوا فين وإزاي رجعوا.
لكن العيال مكنوش فاكرين غير إنهم كانوا في مكان مقفول، وإن ست كانت بتيجي لهم كل يوم بالأكل، وكانت لابسة حاجة مخبية وشها.
الشرطة سألتهم، لكنهم مقدروش يحددوا أي حاجة توصل للي حصل.
أما أنا، فكنت في بيتي، سامعة صوت محمود وهو بيتكلم في التليفون وبيعيط من الفرحة، وفضلت قاعدة ساكتة.
هدى رجعت بيتها، وجوزها صالحها، ومحمود بقى كل يوم يطمن على ولاد أخته.
ومن يومها هدى مبقتش تسيب عيالها لحظة، ولا تسافر من غير ما تتأكد إنهم في أمان ومع شخص مسؤول، ومحمود كمان اتغير وبقى يحسب تعبه وتعب غيره قبل ما يفرض على حد مسؤولية مش مسؤوليته.
أما أنا، ففضلت شايلة سر اللي حصل جوايا.
لحد النهارده محمود وهدى ميعرفوش العيال كانوا فين طول الأسبوعين دول، ولا مين اللي كان بيدخل لهم الأكل.
وهدى عمرها ما عرفت إن مرات أخوها كانت هي الست اللي بتروح لها كل يوم تواسيها، وتسمع عياطها، وترجع بعدها تطمن على ولادها في المخزن.
أنا عارفة إن اللي عملته كان غلط، وإن الأطفال ملهمش ذنب في خلافات الكبار، وإن القلق اللي عاشوه مش حاجة سهلة تتنسي.
لكن وقتها كنت شايفة إني باخد حقي من اتنين استهانوا بتعبي ووجعي، ونسوا إني إنسانة ولسه خارجة من ولادة.
يمكن أخدت حقي بالطريقة الغلط، ويمكن الوجع اللي سببته للأطفال أكبر من أي وجع حسيت بيه.
بس من يومها اتعلمت إن محدش من حقه يفرض عليا مسؤولية أنا مش قادرة عليها، وإن كلمة لأ ساعات بتكون أرحم من موافقة الواحد يندم عليها طول عمره.
والمشكلة إن هدى لحد النهارده كل ما تشوفني تقول لي ربنا يخليكي يا حنان، إنتِ كنتِ واقفة جنبي في أصعب أيام حياتي!
وأنا ببصلها وأسكت… لأنها لو عرفت الحقيقة، مش عارفة هتسامحني ولا لأ.
تمت.
هذه القصة من وحي خيال الكاتب وأي تشابه بينها وبين الواقه فهو محض صدفة




