روايات وقصص

مؤامرة جوزي

بصيت له بكل هدوء وقلت في الشارع بيلعبوا، زي ما سبتهم من شوية.

محمود بصلي باستغراب وقال إنتِ بتقولي إيه؟ في الشارع إزاي؟ هو أنا مش سايبهم معاكي؟!

قلتله وأنا بمثل إني مش فاهمة ما هما كانوا زهقانين وعايزين يلعبوا، فنزلتهم تحت قدام البيت، ما تقلقش عليهم.

وشه اتغير فجأة، وجري ناحية الباب وهو بيزعق إنتِ اتجننتي يا حنان؟! العيال لوحدهم في الشارع؟!

خرج يجري على السلم، وأنا خرجت وراه، وأول ما وصلنا الشارع بص حواليه، وبعدين لفلي وهو مضطرب وقال هما فين؟! مفيش عيال هنا!

حطيت إيدي على صدري وفتحت عيني وصرخت يا لهوي! يا محمود! العيال غابوا!

فضل يبصلي كأنه مش مستوعب، وبعدين جري في كل اتجاه ينادي عليهم يا عمر! يا ليلى! إنتوا فين؟!

وأنا فضلت أصرخ وأعيط وأمثل إني منهارة، لحد ما الجيران اتلموا علينا.

واحد من الجيران قال في إيه يا محمود؟ مالك بتجري كده ليه؟

رد عليه بصوت متقطع عيال أختي اختفوا! كانوا هنا تحت البيت ومش لاقيينهم!

الشارع كله اتقلب، الرجالة نزلت تدور في الشوارع الجانبية، والستات دخلت تسأل في البيوت والمحلات، وأنا واقفة وسطهم بعيط وبضرب على صدري.

محمود كان خلاص هيجن، وكل شوية يتصل بأخته، وبعدين يقفل قبل ما يرد عليه حد، لحد ما قرر يتصل بيها ويقولها الحقيقة.

قرر يتصل بيها ويقولها الحقيقة.

ردت هدى بصوت فرحان أيوه يا محمود، خير؟ إنتوا جايين إمتى؟ أنا مستنياكم.

قالها وهو بيحاول يسيطر على صوته هدى… عايزك تهدي وتسمعيني كويس.

في إيه يا محمود؟ صوتك ماله؟

العيال… العيال مش لاقيينهم.

سكتت لحظة، وبعدين صرخت يعني إيه مش لاقيينهم؟! هما فين؟!

كانوا تحت البيت، وحنان بتقول إنهم نزلوا يلعبوا، ولما نزلنا ملقيناهومش.

سمعت صرختها من التليفون، وبعدها قفلت الخط.

بعد أقل من ساعة كانت هدى وصلت، أول ما نزلت من العربية جريت علينا وهي بتلطم وتصرخ ولادي فين؟! عيالي راحوا فين؟!

مسكت في محمود وقالتله وهي بتعيط دي الأمانة اللي سبتها لك يا محمود؟! مش قولتلي مراتك هتخلي بالها منهم؟! أنا كنت مطمنة عليهم معاك! إنت ضيعت عيالي!

محمود حاول يهديها اهدي يا هدى، إحنا بندور عليهم في كل مكان، وإن شاء الله هنلاقيهم.

لكنها زقته بعيد وقالت متقوليش اهدي! أنا عايزة ولادي! هاتولي ولادي!

وبعدين بصتلي، وكانت عينيها مليانة غضب وإنتِ يا حنان! إنتِ كنتِ فين؟! إزاي تسيبي طفلين صغيرين ينزلوا الشارع لوحدهم؟!

نزلت راسي وفضلت أعيط والله ما كنت أعرف إنهم هيختفوا، أنا كنت فاكرة إنهم بيلعبوا قدام البيت.

محمود كان واقف مش عارف يعمل إيه، وكل اللي قدر يقوله خلاص يا هدى، مش وقت كلام، لازم نلاقي العيال الأول.

فضلت هدى تعيط طول اليوم، وجوزها كان واقف جنبها، وكل شوية يزعق في محمود ويقوله أنا من الأول قولتلك نخلي العيال عند أمي، إنت اللي أصريت يا أخوها! قولتلي عند أخويا أضمن، ومراته هتخلي بالها منهم!

وبعدين بص لمراته وقال لو عيالي مرجعوش، أنا مش هسيبها تعدي! إنتِ اللي وافقتي تسيبيهم وتسافري وتسيبيهم عند حد تاني!

هدى فضلت منهارة، ومش قادرة حتى ترد عليه.

وفي نفس اليوم راحوا القسم وعملوا بلاغ باختفاء طفلين، وبدأت الشرطة تسأل وتجمع المعلومات، والجيران كلهم بقوا بيتكلموا عن الحادثة.

أما أنا، فكنت قاعدة في البيت بضم ابني لحضني، وكل ما أسمع محمود بيتكلم في التليفون أو يخرج يدور، كنت بحس إن قلبي بيدق بسرعة.

بس الغريب إني مكنتش حاسة بالندم اللي كنت متخيلاه، كنت شايفة إن هدى ومحمود هما اللي وصلوني للحالة دي.

تاني يوم محمود رجع لشغله، بعد ما فضل طول الليل يدور ويسأل في المستشفيات والأقسام، وكان وشه شاحب وعينيه حمرا من كتر العياط والسهر.

وقبل ما ينزل قال لي أنا مش عارف هبص في وش أختي إزاي، ولا هقول لجوزها إيه. ربنا يستر ونلاقي العيال.

هزيت راسي من غير ما أتكلم.

وأول ما اتأكدت إنه خرج، استنيت لحد ما الشارع هدي، ولبست هدومي ونزلت اشتريت نقاب من محل بعيد عن منطقتنا.

رجعت البيت، واستنيت لحد ما الدنيا بدأت تظلم، وخرجت من غير ما حد ياخد باله.

كان فيه مخزن قديم بعيد شوية عن البيوت، محمود كان زمان بيستخدمه مع واحد صاحبه في تخزين حاجات قديمة، ومحدش تقريبًا بيروح ناحيته.

وصلت هناك، وفتحت الباب بالمفتاح اللي كنت محتفظة بيه، وأول ما دخلت سمعت صوت عياط خفيف.

عمو محمود؟

قلبي وجعني.

لقيت عمر وليلى قاعدين في ركن بعيد، قلقانين ومضمومين لبعض. أول ما شافوني رجعوا لورا.

ليلى قالت وهي بتعيط إحنا عايزين ماما… إحنا مش عايزين نقعد هنا.

قعدت على ركبتي وطلعت الأكل والحلويات اللي جبتها.

متقلقوش يا حبايبي، أنا جايبالكم أكل حلو، كلوا الأول.

عمر بصلي بقلق وسألني هو إحنا عملنا حاجة غلط؟ عشان كده محدش عايزنا؟

السؤال ده وجعني، وحسيت للحظة إني ممكن أرجع في كل اللي عملته.

لكن أول ما افتكرت صور هدى وهي في إسكندرية، وهي بتضحك وتكتب إنها أخيرًا ارتاحت من دوشة العيال، رجع الغضب يملاني من جديد.

قلت لنفسي هي سابتني وأنا لسه والدة عشان تعيش حياتها، وأنا هخليها تعرف يعني إيه القلق على ولادها.

حطيت الأكل قدامهم، وفضلت شوية أتأكد إنهم أكلوا وشربوا، وبعدين خرجت وقفلت الباب.

ومن اليوم ده بدأت حياتي تتقسم نصين.

قدام الناس كنت الزوجة المظلومة اللي ضاعت منها عيال أخت جوزها، وبروح أواسي هدى وأقولها ربنا يرجعهم بالسلامة يا حبيبتي، أنا مش عارفة أنام من ساعة اللي حصل.

وورا الناس كنت بروح المخزن كل يوم بالنقاب، وأدخل لهم أكل ومياه وحلويات وهدوم نظيفة.

عدى أسبوع، وبعده أسبوع تاني.

أربعتاشر يوم كاملين وهدى عايشة في ضيق شديد.

كل ما أروح لها ألاقيها قاعدة على الكنبة، عينيها غرقانة دموع، وشعرها مش مترتب، ومش بتاكل غير بالعافية.

جوزها كان رجع بيته بعد ما حصلت بينهم مشاكل كبيرة، وهي كمان راحت تقعد عند أهلها، خصوصًا بعد ما بقى كل واحد فيهم بيلوم التاني على اللي حصل.

وفي مرة دخلت عليها لقيتها ماسكة صورة عمر وليلى وبتبوسها وبتقول وحشتوني يا حبايبي. .. أنا آسفة إني سبتكم. والله ما كنت أعرف إن غيابي هيبقى بالشكل ده.

الجملة دي خلتني أسكت.

لأول مرة أشوفها مش بتتكلم عن السفر ولا عن جوزها ولا عن نفسها.

كانت أم مكسورة، وبتتمنى تسمع صوت ولادها حتى لو لدقيقة واحدة.

رجعت البيت يومها وأنا مش قادرة أبص في وش ابني.

كنت كل ما أفتكر ليلى وهي بتسألني إذا كانت عملت حاجة غلط، أحس إن قلبي بيتقطع.

لكن كنت أقول لنفسي لسه شوية… لازم هدى تحس باللي أنا حسيته.

لحد ما جه اليوم اللي روحت فيه المخزن، ولقيت ليلى سخنة ووشها أحمر، وعمر قاعد جنبها بيحاول يطمنها.

أول ما شافني قال طنط، أختي تعبانة، ممكن نروح لماما؟ هي كانت بتعرف تعملها كمادات لما بتسخن.

قربت منها وحطيت إيدي على جبينها، ولقيتها فعلًا سخنة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى