
منه فضلت ساكتة. رجعت للعصاية، ورسمت جنب الشكل خطين متقاطعين، وبعدين حطت العصاية على الأرض، وابتدت تشير للخط الطويل وهي بتقول:
هنا هنا.
أنا نزلت لمستواها، وقلت:
هنا إيه يا منه؟ تقصدي إيه؟
هي أشارت ناحية باب شقتنا، وبعدها أشارت للخط الطويل، وكررت:
هنا عيب عيب.
جوزي بص لي، وأنا بصيت له. في اللحظة دي بدأ الغضب اللي في وشه يختفي واحدة واحدة، وحل مكانه خوف وحيرة. أنا كنت بحاول أربط بين صريخها كل مرة تشوفه، وبين الرسمة اللي بتعملها، لكن مكنتش قادرة أوصل لحاجة.
قلت لها:
يا حبيبتي، تعالي ندخل نقعد ونتكلم بهدوء.
هزت راسها بعنف، ورجعت لورا. ولما جوزي اتحرك خطوة ناحيتها، شهقت ورفعت إيديها قدامها، كأنها بتطلب منه ما يقربش. جوزي وقف مكانه فورًا، وبص لي بذهول.
قال بصوت أوطى:
أنا مش هقرب منك يا منه. أنا واقف مكاني. بس فهمينا إنتِ تقصدي إيه.
منه بصت له، وبعدين بصت للأرض. فجأة نزلت العصاية ورسمت خطًا عريضًا قدام باب الشقة، وبعده رسمت شكل صغير كأنه شخص واقف على الناحية التانية. أشارت للشخص الصغير، وبعدها أشارت لجوزي، وصرخت:
لأ لأ عيب!
أنا حسيت إن فيه حاجة مهمة بتحاول توصلها، لكن الكلام مش قادر يطلع منها بشكل مفهوم. جوزي رجع خطوة لورا وقال:
خلاص، أنا مش هقرب. بس يا منه، أنا آسف إني زعقت لك. ما كانش ينفع أمسكك ولا أخرجك بالطريقة دي.
منه فضلت تبص له من غير ما ترد. بعد لحظات، سمعت صوت أمها بتنادي عليها من السلم. منه جريت ناحيتها، لكن قبل ما تمشي أشارت للرسمة مرة أخيرة، وبعدين أشارت لبيتهم.
أمها وصلت وهي بتلهث، ولما شافت بنتها واقفة بره الشقة، سألت بقلق:
في إيه؟ حصل إيه؟
أنا حكيت لها اللي حصل، من غير ما أخبي عصبية جوزي ولا اللي عمله. أمها اتضايقت جدًا، وقالت:
أنا قلت لكم قبل كده، منه لما تتوتر بتعمل حاجات مش مفهومة. بس عمرها ما كانت بتخاف من جوزك كده.
جوزي قال:
وأنا مش عايزها تخاف مني، بس إحنا محتاجين نفهم. هي بقالها سنة بتصرخ كل ما تشوفني، والناس بدأت تشك فيا.
أمها بصت له بجدية، وقالت:
أنا عارفة إنك ما ضايقتها. بس البنت نفسها مش فاهمة إزاي تشرح اللي جواها. لازم نفهم منها بهدوء، مش بالصوت العالي.
أخدت منه إيدها، ومشيت بيها. قبل ما تنزل السلم، منه بصت ناحيتنا، ورفعت إيدها كأنها بتودعنا، وبعدها اختفت مع أمها.
قفلت الباب، وسندت ضهري عليه. جوزي كان واقف ساكت، وبعد شوية قال:
أنا غلطت لما ناديتها. كنت مخنوق من اللي حصل، بس ده مش مبرر.
هزيت راسي وقلت:
أيوه، غلطت. بس إحنا لازم نفهم هي بتقول إيه. مش هينفع نفضل عايشين في الشك والخوف ده.
قعدنا في الصالة، وبصينا للرسمة اللي كانت لسه واضحة على الأرض بره الباب. الخط الطويل، والشكل اللي شبه الباب، والشخص الصغير. حاولنا نفهمها، لكن مفيش حاجة كانت راكبة.
في آخر اليوم، رحت لبيت عمي. لقيت منه قاعدة جنب أمها، بتقلب في كراسة تلوين. أول ما شافتني، قامت وجريت عليا، واتعلقت في إيدي. كانت هادية، كأن اللي حصل الصبح ما كانش موجود.
قعدت جنبها، وقلت:
يا منه، أنا عايزة أفهم الرسمة اللي رسمتيها النهارده. ينفع ترسميها تاني؟
منه هزت راسها، وجابت ورقة وقلم. رسمت بابًا، وخطًا طويلًا، وشخصًا صغيرًا. بعدين رسمت نفسها جنب الشخص، ورسمت خطًا بينه وبين الباب. أشارت للباب وقالت:
بيت.
وبعدين أشارت للشخص الصغير وقالت:
أنا.
وبعدين أشارت للخط، وسكتت.
أمها قربت منها وسألتها:
الخط ده إيه يا منه؟
منه فضلت ساكتة. بعد شوية قالت:
ما أدخلش.
أنا بصيت لأمها. سألتها:
تقصدي إنك ما تدخليش بيتنا؟
منه هزت راسها، وبعدين أشارت ناحية الباب وقالت:
هو يطلع.
أمها استغربت:
مين اللي يطلع؟
منه أشارت للرسمة، وبعدها قالت:
هو يطلع أنا أدخل.
أنا حسيت إننا قربنا نفهم، لكن لسه فيه حاجة ناقصة. سألتها:
يا منه، إنتِ بتقولي إنك عايزاه يطلع من البيت عشان تدخلي؟
هزت راسها، وبعدين قالت:
أيوه عيب.
أمها قالت:
بس ليه يا بنتي؟ هو جوز بنت عمك، وبيحبك وبيعاملك كويس.
منه بدأت تتوتر، وحطت إيديها على ودانها. أمها بطلت أسئلة فورًا، وخلتها تهدى. أنا حسيت إننا لو ضغطنا عليها، مش هنعرف حاجة.
قعدنا شوية من غير كلام، وبعدين أمها قالت لي:
من وقت ما بدأت الحكاية دي، وأنا بحاول أفهمها. مرة تقول لي عيب، ومرة تقول ما أدخلش، ومرة ترفض تروح عندكم. كنت فاكرة إنها زعلانة من حاجة حصلت هناك، لكن مش عارفة إيه.
قلت لها:
طب هل حصل تغيير في البيت عندكم قبل ما تبدأ تعمل كده؟
أمها فكرت، وبعدين قالت:
أيوه من حوالي سنة، ابن خالتها كان بييجي يقعد عندنا كام أسبوع، وكان بيقعد معاها كتير. هو كان بيساعدها في حاجات بسيطة، بس أنا ما كنتش شايفة أي حاجة غريبة.
سألتها:
اسمه إيه؟
قالت:
سامح. كان بييجي من وقت للتاني، وبعدين سافر.
الاسم ما كانش غريب عليا. سامح كان قريب بعيد من ناحية عمي، وكنت شوفته كام مرة في مناسبات العيلة. لكن ليه منه تربط بينه وبين جوزي؟ وليه كل ده يظهر لما تشوفه هو؟




