
وعايزة تعرفي أكتر؟ قالت كوثر بصوت خافت. الأرض اللي بيقولك إنه بيحوش تمنها؟ ما حدش سمع عنها غيره. كل المال اللي جمعه صرفه على محاولات فاشلة يعوض فيها خسارته، وكل ما كان بيخسر بيحتاج فلوس أكتر يغطي بيها الخرم اللي اتفتح تحت رجليه. وأنتِ كنتي المصدر الأساسي للفلوس دي من غير ما تعرفي.
شكرتها بكل صدق، وخرجت من عندها، ودمعي نزلت بسخانة، بس مش عشان كريم.. عشان نفسي اللي ضحكت كل السنين دي، عشان الطيبة اللي استخدمها سلاح ضدي. وفي الطريق للبيت، اتذكرت السبع كراتين اللي جمعتها وحددتها في زاوية الغرفة الفاضية.. ما كانت مجرد أوراق وحاجات قديمة، كانت كل واحدة منها جزء من الحقيقة اللي هو حاول يدفنها.
الجزء الثالث: حين فتحت الكراتين.. اتكشفت الخيوط كلها
وصلت البيت، وبدأت أفتح الكراتين واحدة واحدة ببطء، كل ما أفتح كرتونة أحس أنني بفتح باب من أبواب الماضي المغلق.
الكرتونة الأولى كانت فيها كل الفواتير والإيصالات اللي احتفظت بيها من أول سنة جوازنا. قعدت أحسبها، وطلعت المجموع في ست سنين، أنا دفعت ما يقارب 220 ألف جنيه في مصاريف البيت وحدها، من غير هدايا ولا خروجات ولا أي شيء شخصي لي. كريم كان بيقول إنه بيدفع نص الإيجار، وطلع بيدفع ربعه بس، والباقي كان بيخصم من مرتبي بطريقة غير مباشرة.
الكرتونة التانية: كشوفات حساب بنكية لمرتبه، لقيت فيها تحويلات شهرية منتظمة بمبالغ مختلفة لأرقام غريبة، ما كنت أعرفها. كل شهر كان بيخرج مبلغ من حسابه وما بيرجعش، وكل ما أسأله يقول إنه لدفعة قسط أو لقريب محتاج. دلوقتي عرفت إنها كانت أقساط القروض والفوائد اللي بيدفعها شهريًا.
الكرتونة التالتة: رسائل واتساب وصور شاشة كنت حفظتها من غير قصد في هاتفي القديم. رسائل من أصحابه يقولوله: القسط نزل؟، الفلوس وصلت؟، متى ترد اللي عليا؟. وقتها كنت أقول لنفسي ده مش موضوعي، ده شغله هو. دلوقتي كل الرسائل اتجمعت مع بعض واتضحت الصورة كاملة.
الكرتونة الرابعة: دفتر قديم كان مخبيه تحت ملابسه القديمة، كنت لقيته بالصدفة من شهور وما قرأته غير النهاردة. كان بيكتب فيه أرقامًا وحسابات، وملاحظات صغيرة زي: الوضع صعب.. محتاج مصدر فلوس جديد، مريم هتكتشف عاجل ولا آجل لازم أجد حل، لو أخذت الـ 28 ألف هأجل المشكلة شهر تاني بس. كان واضح إنه عايش في قلق مستمر من اكتشاف الحقيقة، وكل ما كان بيحاول يغطي على خطأ بيقع في خطأ أكبر.
الكرتونة الخامسة: أوراق ومستندات لشركة وهمية أسسها باسمه، واتضح إنه سجلها عشان يقنعني إنه استثمر الفلوس فيها والأرباح هتجي قريبًا. الشركة ما كانتش بتبيع ولا بتشتري، مجرد ورق على أوراق، وما كنتش هعرف ده لولا أني صدفة شفت اسمها على موقع تسجيل الشركات واتأكدت بنفسي.
الكرتونة السادسة: شهادة ميلاد وصور قديمة لأهلي، وملاحظات مكتوبة بخط يدي عن تكاليف الزواج والشقة والأثاث، وكيف تقاسمنا كل حاجة من أول يوم. كل قرش دفعته مسجل، كل شيء اشتريته معاه مثبت بتاريخ ومكان. ما كنتش أعرف ليه كنت حريصة على كل ده.. دلوقتي فهمت إن غريزتي كانت بتخبرني إن يومًا هحتاج أثبت حقي.
الكرتونة السابعة والأخيرة كانت فيها حاسبة صغيرة ودفتر ملاحظات، وفيه صفحة كتبتها قبل أسبوع من ما يسيب البيت: إذا طلب مني مبلغ مش مخصص له، فالمشكلة مش في المبلغ.. المشكلة في السبب اللي بيخفيه عني. الحق لازم يطلع مهما كان مؤلم. كتبتها وأنا مش عارفة ليه، بس النهاردة عرفت إنها كانت رسالة مني لي في اللحظة الصحيحة.
الجزء الرابع: العودة التي لم تكن في حساباتها
بعد ثلاثة أيام، رن جرس الباب. فتحت، ولقيت كريم واقف، وشكله أتغير كتير: ملابسه مكوية بس متكررة، عيناه داكنة، ويده بتترعش وهو بيحط الشنطة على الأرض. بص لي بابتسامة مرهقة جدًا، وحاول يدخل كأن شيئًا ما حصل.
حبيبتي.. أنا رجعت. كنا متخاصمين بس، وأمك قالتلي إنك حزينة ومحتاجاني. خلاص، أنا أسف على اللي قلت، ونتفاهم في كل حاجة، اتفقنا؟
ما رديت عليه فورًا. سيبته يدخل، وقعدنا قدام بعض على الكنبة، والسبع كراتين كانت مرصوفة بانتظام خلف ظهره. قلت بهدوء تام: أمك عرفتني كل حاجة يا كريم. القروض، الخسارة، الفوائد، الشركة اللي ما بتشتغل، والأرض اللي ما كانت موجودة أصلاً. وكل ما طلبته مني من فلوس شهور طويلة، كان بيتروح تسدد بيه ديونك اللي خبيتها عني.
اتلون وشه، وقام فجأة: هي اللي قالتلك؟ دي مش بتحبني وبتلفي عليا! ما تصدقيها، أنا أقدر أشرحلك كل حاجة!
أشرحلي إذًا. بكل بساطة فين الفلوس اللي كنت بتقول إنك بتدخرها كل شهر؟ أين الأرض اللي كنا هنشتريها نهاية السنة الماضية؟ ولماذا كنت محتاج الـ 28 ألف فجأة وبشدة، ولما قلتلك لأ، سبت البيت وقلت إنك مش راجع غير لما أوافق؟
سكت تمامًا. ما لقي كلام يقوله. رفعت غطاء الكراتين بإشارة من يدي: كل سؤال عندك لقيته إجابة هنا. كشوفات الحسابات، الرسائل، دفترك الخاص، إفادة أمك اللي سجلتها بموافقتها، وكل ما دفعته أنا على مدار ست سنين مسجل وموثق. أنا مش جاية أقاتلك يا كريم.. جاية أقوللك إن الطريق ده مش هينفع نكمل فيه. أنا مستعدة أساعدك تخلص ديونك، بس مش بالطريقة دي. مش بإنك تكذب عليا وتستخدم فلوسي وتخبي عني الحقيقة.
اتكأ على الحيطة، ودموعه نزلت لأول مرة في عمره قدامي: كنت خايف.. خايف تعرفي إنني فشلت. خايف تتركني وتقوليلي راجل فاشل ما يعرفش يدير حياته. كل ما حاولت أصلح الغلط كنت بوقع في غلط أكبر، لحد ما حسيت إني هغرق وحدي، وكنتِ أنتِ الشاطئ الوحيد اللي ممكن أتمسك بيه.. بس كنت أمسك فيكي بكل قوتي من غير ما أفكر إنني ممكن أجرحك.




