روايات وقصص

البنت دخلت عليا المطعم

لكن واحد من رجالي وقف في طريقه.

صرخ دنيس: البنت دي كدابة! محدش يصدقها!

ليلى بدأت تعيط.

قربت منها وقلت: متخافيش. إنتِ عملتي الصح.

طلبت من رئيس الحراسة يتصل بالجهات المختصة، وبعدها اتوجهنا للمكتبة.

كان فيه درج مقفول بمفتاح صغير.

دنيس رفض يفتحه، لكن لما وصل المسؤولون وبدأت إجراءات التفتيش القانونية، اتفتح الدرج واتلاقى جواه مجموعة أوراق، ومبالغ مالية، وفلاشة زرقا.

وكانت المفاجأة إن الفلاشة ما كانش عليها تسجيلات بس…

كان عليها فيديوهات من كاميرا صغيرة كان دنيس مركبها في الصالة.

مريم شهقت لما شافت الكاميرا.

إنت كنت بتراقبنا؟!

ما ردش.

لكن اللي ظهر في الفيديوهات كان أصعب من أي حاجة تخيلناها.

السر الحقيقي كان في تسجيل واحد مدته سبع دقايق.

ظهر فيه دنيس قاعد مع راجل تاني اسمه سامح، وهو موظف مسؤول عن المخازن في المستشفى.

كانوا بيتكلموا عن أخذ الأدوية والتلاعب في توقيعات مريم، وإنهم هيخلّوا كل الأدلة تشير ليها.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر التسجيل.

سامح قال: طب والبنت؟ دي بتسمع كل حاجة.

دنيس رد ببرود: البنت مش هتتكلم. أنا خوفتها كفاية. ولو مريم اتقبض عليها، هاخد البنت وأختفي بيها، وساعتها محدش هيعرف يوصلنا.

مريم حطت إيديها على بقها، ودموعها نزلت من غير صوت.

كانت فاكرة إن دنيس بيكرهها وبيحاول يسيطر عليها، لكنها ما كانتش متخيلة إنه مخطط ياخد بنتها منها ويستخدمها ورقة ضغط.

ليلى كانت واقفة مش فاهمة كل التفاصيل، لكنها فهمت جملة واحدة: هو كان عايز ياخدني من ماما؟

نزلت لمستواها وقلت: مش هيقدر ياخدك منها تاني.

في اللحظة دي، دنيس بدأ يعلّي صوته: دي مؤامرة! التسجيلات متفبركة! أنا عايز محامي!

لكن الأدلة كانت واضحة، والجهات المختصة تحفظت عليه، وبعدها بدأت التحقيقات الرسمية.

ولما حاول سامح يهرب من المستشفى، اتقبض عليه هو كمان بعد ما اتحدد مكانه من خلال الأدلة.

لكن كان لسه فيه مفاجأة أخيرة.

بعد يومين، رئيس الحراسة جه مكتبي ومعاه تقرير جديد.

قال: يا باشا، إحنا راجعنا كل حاجة عن دنيس، ولقينا إنه كان متجوز قبل كده، وعنده سوابق في التعامل بقسوة وتلاعب في محافظة تانية.

سألته: ومريم كانت تعرف؟

رد: لأ. هو قدم لها نفسه باسم مختلف، وقال لها إنه شغال في شركة مقاولات. وبعد ما اتجوزها، بدأ يتحكم في فلوسها ومرتبها، وبعدها منعها من إنها تتواصل مع أهلها.

سكت لحظة، وبعدها كمل: بس فيه حاجة أهم. مريم نفسها كانت هتتعرض للفصل من المستشفى خلال أيام بسبب المستندات المتلاعب فيها اللي عليها توقيعها.

قلتله: مش عايز أي حد يتظلم. كل الأدلة تتسلم للجهات المختصة، والمستشفى تعرف الحقيقة.

وبالفعل، بعد مراجعة السجلات الإلكترونية وكاميرات المخازن وشهادات الموظفين، اتأكد إن مريم مالهاش أي علاقة بالأخذ، وإن توقيعها اتلاعب فيه باستخدام بيانات دخولها اللي دنيس سرقها منها.

رجعت مريم لشغلها، واتشالت عنها كل الاتهامات.

أما دنيس وسامح، فالقضية اتحولت للمحكمة، واتحاكموا على وقائع التلاعب والأخذ والضغط والتعامل بقسوة، وصدر ضدهم أحكام بالسجن.

لكن أنا كنت لسه بفكر في حاجة تانية.

إزاي بنت عندها سبع سنين وصلت لمرحلة إنها تضطر تجمع 75 قرش عشان تشتري الأمان لأمها؟

بعد أسبوع… رجعت للمطعم اللي قابلت فيه ليلى أول مرة.

كنت قاعد على نفس الترابيزة، وفجأة شفت مريم داخلة ومعاها بنتها.

ليلى كانت لابسة فستان أصفر جديد، وشعرها متسرح، وفي إيديها شنطة صغيرة عليها رسمة فراشة.

أول ما شافتني، جريت ناحيتي.

عمو ليونيد!

ابتسمت لأول مرة من أيام طويلة.

إزيك يا بطلة؟

رفعت راسها بفخر وقالت: أنا بقيت بنام من غير ما أخاف!

الكلمة دي كانت أغلى عندي من أي صفقة كسبتها في حياتي.

مريم قربت مني، وعينيها مليانة دموع.

أنا مش عارفة أشكرك إزاي. إنت ساعدت بنتي وساعدتني من حياة كنت فاكرة إني مش هعرف أخرج منها.

قلت لها: أنا ما عملتش غير إني سمعت بنتك لما طلبت المساعدة. هي اللي كانت شجاعة.

مريم ابتسمت وقالت: أنا كنت فاكرة إني بحميها لما أخبي عنها اللي بيحصل. ما كنتش أعرف إنها بتشيل كل الخوف ده لوحدها.

ليلى طلعت من شنطتها كيس قماش صغير، وحطته قدامي.

قلبي اتقبض لما شفته.

فتحته، ولقيت جواه نفس ال 75 قرش اللي كانت عرضتهم عليّا أول مرة.

قالتلي: أنا عايزاك تاخدهم المرة دي.

سألتها: ليه يا ليلى؟

ردت بجدية: عشان حضرتك ساعدت ماما، وأنا عايزة أديك فلوسك.

ضحكت، لكن عيني كانت بتلمع.

طلعت محفظتي، وحطيت العملات في الكيس، وزودت عليهم صورة صغيرة ليا وأنا طفل.

بصت للصورة باستغراب.

قلت لها: زمان كنت أنا كمان طفل بيستخبى في الدولاب لما يسمع صوت الزعيق. وكنت فاكر إن مفيش حد ممكن يساعدني.

سألتني: وإنت مين ساعدك؟

سكت لحظة.

وبعدين قلت: محدش يا ليلى. عشان كده لما شوفتك، ما قدرتش أسيبك تعيشي نفس اللي عشته.

ليلى حضنتني فجأة.

وكانت أول مرة من سنين طويلة أحس إن حضن صغير ممكن يكون أقوى من كل الأدوات اللي حواليا.

لكن الحكاية ما انتهتش عند كده.

بعد شهر، قررت أعمل حاجة ما كنتش متخيل إني ممكن أفكر فيها يومًا.

أسست جمعية خيرية متخصصة في مساعدة الأطفال وأمهاتهم في مواجهة المشكلات الأسرية، بالتعاون مع محامين وأطباء وأخصائيين نفسيين، وبإجراءات رسمية تضمن إن أي طفل يطلب المساعدة يلاقي حد يسمعه ويساعده.

طلبت إن اسم الجمعية يكون: خمسة وسبعون قرش.

ولما الصحفيين سألوني عن سبب الاسم، قلت: عشان بنت صغيرة علمتني إن الشجاعة مش مرتبطة بالسن، وإن أغلى حاجة في الدنيا ممكن تبدأ بثلاث عملات معدنية.

مريم فضلت تشتغل في المستشفى، لكنها نقلت لشقة جديدة آمنة، وبدأت هي وليلى حياة مختلفة تمامًا.

ليلى رجعت المدرسة، وبقت بتحب ترسم وتلعب، والأهم إنها بطلت تخاف من صوت مفتاح الباب بالليل.

أما أنا، ففضلت أتابع أخبارهم من بعيد، من غير ما أتدخل في حياتهم.

وفي يوم، وصلني جواب صغير بخط طفولي.

فتحته ولقيت ليلى كاتبة: عمو ليونيد، أنا كبرت وبقيت عارفة إن الأشخاص المؤذيين مش دايمًا بيكونوا في القصص. ساعات بيكونوا ناس عايشين معانا. بس أنا كمان عرفت إن فيه ناس كويسة ممكن تساعدنا. أنا مش خايفة دلوقتي. ولما أكبر، عايزة أساعد الأطفال اللي كانوا زيي.

وبالمناسبة، أنا لسه محتفظة بال 75 قرش التانيين اللي جمعتهم، عشان لو قابلت حد محتاج مساعدة.

فضلت باصص للجواب فترة طويلة.

وبعدين فتحته تاني، وحطيته في درج مكتبي جنب صورة أمي القديمة.

في الليلة دي، لأول مرة من سنين، نمت من غير ما أفتكر صوت الزجاجات المكسورة، ولا صوت أمي، ولا الدولاب اللي كنت بستخبى فيه.

لأن بنت صغيرة دخلت مطعم في يوم عادي، ومعاها 75 قرش، وخلت راجل قضى عمره كله بيخوف الناس يكتشف إن فيه حاجة أقوى من الخوف.

الرحمة.

ومن يومها، بقيت مؤمن إن أصعب مشكلة مش هي اللي الناس بتخاف منها في الشارع…

أصعب مشكلة هي اللي بتحصل جوه البيت، وتخلي طفل صغير يتمنى إن حد ينقذه، وهو فاكر إن مفيش حد سامعه.

تمت.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى