
ياسين بص له طويلًا، وبعدين قال:
— أنا معرفكش، لكن طول عمري كنت بسأل نفسي ليه اتربيت بعيد عن عيلتي.
فهد قرب منه خطوة:
— وأنا طول عمري ما كنتش أعرف إن عندي أخ أصلًا.
ياسين ابتسم ابتسامة حزينة:
— يمكن إحنا الاتنين اتسرق مننا حقنا في إننا نعرف بعض.
فهد مد إيده، لكن ياسين بص لها لحظة قبل ما يصافحه.
وبعدين فهد قال بصوت مبحوح:
— مش هطلب منك تسامحني على حاجة أنا ما كنتش أعرفها. بس لو إنت موافق، نفسي نبدأ من الأول.
ياسين سكت قليلًا، ثم صافحه بقوة:
— نبدأ من الأول.
وفي اللحظة دي، فهد حس إن فيه جزءًا من حياته رجع له أخيرًا.
مش لأنه استعاد فلوس أو شركة، لكن لأنه لقى أخًا كان محرومًا منه طول عمره.
السر الأخير لصوفيا
بعد ما القضية بدأت تاخد مجراها، فهد طلب من صوفيا تقابله في الحديقة الداخلية للقصر.
كان واقفًا عند النافورة، وفي إيده نسخة من وصية جدّه.
لما وصلت، قال لها:
— فيه حاجة لسه مش فاهمها. جدّي كان مصمم إننا نتجوز. ليه؟ لو هدفه كان إنه يجمعنا عشان نكشف الحقيقة، كان ممكن يخلينا نتقابل بأي طريقة تانية.
صوفيا سكتت، وبعدها طلعت من حقيبتها ظرفًا صغيرًا:
— لأن فيه جزءًا من الوصية محدش قرأه قدامك.
فتحت الظرف وناولته الورقة.
كانت وصية تكميلية، مكتوبة قبل غياب جدّه بشهور.
وجاء فيها:
إلى فهد وصوفيا، لم أفرض عليكما الزواج من أجل المال، ولا لأني أعتقد أنكما ملزمان بحياة مشتركة.
لقد جمعت بينكما لأنني أعرف أنكما تحملان إرث عائلتين فرّقتهما الخيانة والخوف. أردت أن أمنحكما فرصة لتختارا بأنفسكما هل ستواصلان حمل أسرار الماضي، أم ستبدآن حياة لا تتحكم فيها أخطاء من سبقوكم؟
إذا اخترتما الانفصال، فلكل منكما حقه كاملًا. أما إذا اخترتما البقاء، فليكن ذلك بإرادتكما، لا بأمر مني.
فهد رفع عينيه لصوفيا:
— يعني جدّي كان سايب لنا الاختيار من البداية؟
صوفيا ابتسمت:
— أيوه. لكنك كنت مقتنعًا إنك مجبر على الجوازة، وأنا كنت مقتنعة إني لازم أوصل للحقيقة قبل ما أقدر أقرر أي حاجة.
فهد بص للورقة طويلًا.
وبعدين قال:
— أنا أول يوم قلتلك إنك مش هتكمّلي معايا شهر.
ضحكت صوفيا بهدوء:
— فاكرة.
— واضح إني كنت واثق من نفسي زيادة عن اللزوم.
— واضح جدًا.
لأول مرة، ضحك فهد من قلبه من غير ما يكون بيحاول يثبت إنه أقوى من اللي قدامه.
وبعد لحظة صمت، قال:
— أنا مش هطلب منك تنسي كل اللي حصل، ولا هقولك إن كل حاجة اتغيرت في يوم وليلة. بس عايز أسألك سؤالًا، وإنتِ حرة في إجابتك.
صوفيا بصت له باهتمام:
— إيه هو؟
— لو مفيش وصية، ولا شركة، ولا أسرار، ولا حد بيجبرنا على أي حاجة… كنتِ هتديلي فرصة أعرفك من الأول؟
صوفيا فضلت ساكتة لحظات.
وبعدين قالت:
— كنت هديك فرصة واحدة، يا فهد. مش عشان اسمك ولا فلوسك، لكن عشان الراجل اللي بدأ أخيرًا يعترف إنه مش لازم يسيطر على كل حاجة.
فهد ابتسم:
— فرصة واحدة كفاية كبداية.
بعد سنة… القصر اللي اتغير للأبد
عدّت سنة كاملة.
اتصلحت أجزاء كبيرة من القصر، واتفتحت الغرف اللي كانت مقفولة من سنين، واتحوّل الأرشيف القديم لمركز لحفظ وثائق العيلتين، عشان محدش يقدر يزوّر التاريخ أو يدفن الحقيقة مرة تانية.
ياسين بدأ يتواصل مع فهد بشكل منتظم، وبقت بينهم علاقة أخوة بتتبني يومًا بعد يوم، رغم السنين اللي ضاعت منهم.
أما صوفيا، فأسست مشروعًا لترميم الوثائق التاريخية، وساعدها فهد في توفير مكان مناسب للمشروع، من غير ما يتدخل في شغلها أو يفرض عليها قرارات.
وعلاقتهم هم الاتنين اتغيرت بالتدريج.
ما بقاش فيه عقد بيتحكم في تفاصيل حياتهم، ولا ضغوط بالانفصال، ولا محاولات لإثبات مين الأقوى.
كان فيه احترام، وحوار، واختيارات بيتخذوها مع بعض.
وفي ذكرى أول يوم دخلت فيه صوفيا القصر، فهد دعاها للمكتبة القديمة.
على المكتب، كان فيه ظرف أبيض صغير.
صوفيا فتحته، فوجدت ورقة مكتوبًا عليها:
إلى صوفيا…
في اليوم اللي اتجوزتك فيه، كنت فاكر إن حياتي صفقة أقدر أنهيها وقت ما أحب.
ما كنتش أعرف إن أكبر خسارة في حياتي مش هتكون فلوس أو شركة، وإن أكبر مكسب مش هيكون ورث أو سلطة.
إنتِ ما دخلتيش حياتي عشان تغيّريني بالقوة، لكن وجودك خلاني أشوف نفسي على حقيقتها.
مش هقولك إني بقيت إنسانًا كاملًا، لأني لسه بتعلم. لكن أقدر أوعدك بحاجة واحدة: مش هستخدم الخوف عشان أحتفظ بيكي، ومش هطلب منك تفضلي إلا لو ده اختيارك.
المرة دي، مفيش عقد، ومفيش وصية، ومفيش حد بيقرر بدلنا.
هل تقبلي نبدأ حياتنا من جديد، بإرادتنا إحنا الاتنين؟
صوفيا رفعت عينيها، ولقت فهد واقف قدامها، مستني ردها من غير ما يحاول يضغط عليها.
ابتسمت وقالت:
— أيوه يا فهد… بس عندي شرط.
فهد ضحك:
— لسه الشروط؟!
قالت وهي بتبتسم:
— كل ما تفتكر إنك عارف كل حاجة، افتكر إنك ممكن تكون غلطان.
مد فهد إيده ليها وقال:
— اتفقنا.
ومع غروب الشمس، خرجوا سوا من المكتبة، وعدّوا من الممر اللي كان يومًا ما مليان أبواب مقفولة وأسرار مخيفة.
الممر نفسه، لكن المرة دي أبوابه كانت مفتوحة.
لأن فهد فهم أخيرًا إن القوة مش إنك تعرف كل الأسرار، ولا إنك تتحكم في كل الناس.
القوة الحقيقية إنك تواجه الحقيقة، وتتحمل مسؤولية أخطائك، وتسيب للناس اللي بتحبهم حرية الاختيار.
أما الغرفة السابعة، ففضلت موجودة في قلب القصر، لكن بابها ما بقاش مقفولًا بالخوف.
بقت شاهدًا على سر اتخبّى سنين، وعلى عيلتين اتفرّقوا بسبب الخيانة، ثم اكتشفوا إن الحقيقة، مهما اتأخرت، تقدر تفتح طريقًا جديدًا للحياة.
تمت النهاية.




