
منصور حاول ياخد الموبايل، لكن فهد رفعه بعيدًا:
— رد عليّ! مين اللي بيضغط عليك؟
منصور بص له بعينين مليانين خوف، وقال:
— الشخص اللي كان المفروض يموت من سبع سنين… مش أبوك.
فهد حس إن الغرفة بتلف بيه:
— أمال مين؟
منصور همس:
— أخوك.
الجزء الرابع عشر: الأخ اللي محدش قال لفهد إنه كان عنده!
ساد صمت ثقيل في المكتب.
فهد فضل باصص لعمه، وكأنه مستني منه يضحك ويقول إن دي مجرد خدعة سخيفة.
لكن منصور ما ضحكش.
صوفيا حطت إيدها على فمها، ونادر قعد على أقرب كرسي، وكأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي يومًا ما.
فهد اتكلم أخيرًا:
— أنا معنديش أخ.
منصور رد بصوت متعب:
— كان عندك أخ أصغر منك بسنتين. اسمه ياسين.
فهد هز رأسه بعنف:
— مستحيل! أنا كنت الطفل الوحيد في البيت.
— لأن والدتك كانت حاملًا في طفل تاني، لكن حصلت مشكلة وقت الولادة، واتقال للعيلة إن الطفل مات.
فهد قرب منه:
— اتقال للعيلة؟ يعني إيه؟
منصور بص للأرض:
— يعني إن شهادة الغياب اتعملت، والطفل اتنقل لمكان تاني.
فهد صرخ:
— مين اللي عمل كده؟!
منصور ما جاوبش.
بدل ما يتكلم، فتح درجًا آخر وطلع منه ملفًا صغيرًا، ثم حطه قدام فهد.
على الغلاف كان مكتوب:
ياسين المنصوري: ملف مغلق بأمر الأسرة.
فهد فتح الملف، فلقى شهادة ميلاد تحمل اسم والده ووالدته، وتحتها صورة لطفل رضيع، وبعدها ورقة فيها توقيع شخص يعرفه جيدًا.
توقيع والدته.
لكن بجوار التوقيع كانت هناك ملاحظة بخط اليد:
تم تسليم الطفل إلى الوصي المؤقت، مع عدم الإفصاح عن مكان الإقامة حتى إشعار آخر.
فهد قعد ببطء:
— أمي كانت عارفة؟
منصور رد:
— أيوه.
— وأبويا؟
منصور أغمض عينيه:
— أبوك هو اللي حاول يرجّعه.
فهد رفع رأسه بسرعة:
— يعني واقعة أبويا كان لها علاقة بأخويا؟
قبل ما منصور يرد، صوفيا سحبت ورقة من آخر الملف.
كانت الورقة موقعة باسم طبيب، وتاريخها بعد الواقعة بأيام.
لكن الملاحظة المكتوبة تحتها كانت صادمة:
تم التعرف على الطفل ياسين، وتم نقله إلى جهة آمنة بناءً على طلب الشخص الذي يحمل الرمز ٧.
صوفيا همست:
— الرمز سبعة… نفس الرقم اللي على المفتاح.
نادر وقف فجأة:
— اقفلوا الملف!
فهد بص له بغضب:
— ليه؟
نادر اتجه ناحية الباب، وقال:
— لأن الرمز سبعة مش رقم غرفة، ولا رقم مفتاح. ده اسم شخص.
فهد وقف وراه:
— مين الشخص ده؟
نادر التفت إليهم، ووشه كان شاحبًا:
— الشخص اللي كان مسؤولًا عن حماية ياسين… هو نفسه الشخص اللي اختفى ليلة الواقعة.
فهد قرب منه:
— يعني مين؟
نادر بلع ريقه بصعوبة، وبعدين قال:
— والد صوفيا.
صوفيا اتجمدت.
أبوها اللي قيل لها إنه مات من سنين، واللي كانت فاكرة إن كل علاقته بالعيلة مجرد شراكة تجارية قديمة، طلع جزءًا من سر أخطر مما تخيلت.
لكن قبل ما تسأل أي سؤال، سمعوا صوت ارتطام قوي جاي من الدور العلوي.
وبعده صوت زجاج بيتكسر.
عم جابر دخل المكتب مسرعًا، ووشه مرعوب:
— يا فهد بيه! فيه حد دخل القصر من البوابة الرئيسية، وبيسأل عن صوفيا بالاسم!
فهد بص لصوفيا:
— مين؟
عم جابر رد:
— بيقول إنه جاي من بلغاريا، ومعاه مستندات تثبت إن أبوها ما ماتش…
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
— وإن الراجل اللي ظهر النهارده في العربية مش أبوك، ومش قريب ليك أصلًا!
وفي نفس اللحظة، اتسمع صوت خطوات عند باب المكتب.
شخص مجهول وقف في الظل، وقال بصوت هادي:
— أخيرًا… بقيتوا بتسألوا الأسئلة الصح.
ثم رفع إيده، وحط على المكتب صورة جديدة.
صورة لفهد وصوفيا، لكن الصورة كانت ملتقطة قبل وصول صوفيا إلى دبي بأسبوع كامل.
وعلى ظهرها كانت مكتوبة جملة واحدة:
الجوازة دي ما كانتش شرطًا في وصية… دي كانت الطريقة الوحيدة عشان الوريثين يقابلوا بعض من غير ما حد يشك.
فهد بص لصوفيا، وصوفيا بصت للصورة.
لأول مرة، الاتنين أدركوا إن الجوازة اللي افتكروها صفقة مفروضة عليهم، يمكن تكون جزءًا من خطة أكبر بكتير، خطة بدأت قبل ما أي واحد فيهم يعرف التاني.
لكن مين اللي خطط للجوازة؟ وليه كان لازم فهد وصوفيا يتجوزوا تحديدًا؟ والأهم من ده كله…
هل ياسين موجود فعلًا، ولا إن اسمه مجرد فخ جديد عشان يوقع فهد في مصيدة أكبر؟
يتبع…
الجزء الأخير: الحقيقة اللي اتدفنت سنين… والنهاية اللي محدش توقعها!
فهد فضل باصص للصورة اللي الراجل الغريب حطها على المكتب، وعقله بيحاول يربط كل الخيوط ببعضها.
جوازه من صوفيا، ووصية جدّه، والغرفة السابعة، واختفاء أبوه، والأخ اللي عمره ما عرف بوجوده!
كل حاجة كانت بتقوده لحقيقة واحدة: حياته كلها اتبنت على أسرار ناس قررت عنه إيه اللي من حقه يعرفه وإيه اللي لازم يفضل مخفي عنه.
فهد رفع عينيه ناحية الرجل الغريب وسأله:
— إنت مين؟ وإزاي عرفت كل ده؟
الراجل خلع نظارته، وطلع من جيبه بطاقة قديمة:
— اسمي ألكسندر ديميتروف. أنا أخو والد صوفيا، وآخر شخص كان على اتصال بوالدها قبل اختفائه.
صوفيا شهقت:
— عمي ألكسندر؟! إحنا كنا فاكرين إنك سافرت ومارجعتش من سنين!
ألكسندر بص لها بحزن:
— سافرت فعلًا، لكن مش بإرادتي. أبوكي اكتشف سرًا خطيرًا، وطلب مني أختفي لحد ما ييجي الوقت المناسب وأرجع بالحقيقة.
فهد سأله بحدة:
— طب والراجل اللي ظهر في العربية؟ مين ده؟
ألكسندر حط صورة تانية على المكتب.
كانت صورة لرجل شاب، ملامحه قريبة من ملامح فهد، لكن عينيه مختلفتان.
— ده ياسين، أخوك. والراجل اللي شفتوه النهارده مش أبوك، لكنه طبيب اسمه الدكتور سامح، وكان مسؤولًا عن علاج ياسين بعد اختفائه.
فهد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه:
— يعني أخويا عايش؟
ألكسندر هز رأسه:
— أيوه. وعنده دليل يقدر يكشف كل حاجة.
الرسالة الأخيرة من الأب
في اليوم التالي، اجتمع فهد وصوفيا وألكسندر ونادر في الغرفة السابعة.
ألكسندر فتح الصندوق الزجاجي بالمفتاح النحاسي، وطلع منه ظرف مختوم بختم جدّ فهد.
كان مكتوبًا عليه:
إلى فهد، عندما يصبح مستعدًا لمعرفة الحقيقة كاملة.
فهد فتح الظرف بإيد مرتعشة، وبدأ يقرأ الرسالة بصوت مسموع:
يا ابني، لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا فشلت إني أحميك من اللي حصل، لكن لسه عندك فرصة تصلّح كل حاجة.
أخوك ياسين ما ماتش. اتنقل بعيد عن العيلة بعد ما اكتشفت إن فيه حد بيستخدم اسمنا في معاملات مالية مشبوهة، وإن وجوده كان ممكن يعرّضه للخطر.
أنا طلبت من والد صوفيا يساعدني أحميه، واتفقنا إن الحقيقة تفضل مخفية لحد ما نقدر نكشف الشخص المسؤول.
لكن قبل ما أقدر أنهي الموضوع، حصلت الواقعة.
لو عايز تعرف مين خان ثقتي، دور على المستند الأصلي في أرشيف الشركة القديمة. هناك هتلاقي الحقيقة اللي محدش قدر يدفنها.
فهد وقف فجأة:
— أرشيف الشركة! لازم نروح هناك دلوقتي.
نادر اعترض:
— المكان مقفول من سنين، ومحدش يقدر يدخله من غير تصريح.
صوفيا بصت له وقالت:
— أنا أقدر أساعدكم. شغلي في ترميم الوثائق، وعندي خبرة في التعامل مع المستندات القديمة والأختام الأصلية. لو الورق لسه موجود، هنقدر نعرف إذا كان اتزوّر ولا لأ.
فهد بص لها للمرة الأولى من غير شك أو غضب:
— يبقى هنروح مع بعض.
المستند اللي كشف الخائن
وصلوا أرشيف الشركة بعد ساعات من البحث عن المفاتيح والتصاريح اللازمة.
المكان كان مهجورًا، والرفوف مليانة ملفات قديمة وصناديق خشبية.
صوفيا بدأت تفحص المستندات بعناية، لحد ما لقت ملفًا يحمل توقيع والد فهد.
فتحت الملف، وظهر أمامهم سجل تحويلات مالية، ومعاه نسخة أصلية من تقرير واقعة العربية.
لكن المفاجأة كانت في الصفحة الأخيرة.
التقرير الأصلي أثبت إن فرامل العربية اتعرضت للتلاعب قبل الواقعة، وإن البلاغ الأول عن الواقعة اتقدم باسم شخص غير الاسم الموجود في التقرير النهائي.
أما المستند المالي، فكشف إن ملايين الدراهم اتنقلت من حسابات الشركة إلى حسابات خارجية بأوامر موقعة باسم منصور.
فهد مسك الورق، ووشه اتغير:
— عمي سرق الشركة، ولما أبويا اكتشف الموضوع، حاول يسكته!
نادر هز رأسه بحزن:
— منصور كان خايف يخسر كل حاجة. لكنه ما كانش لوحده.
فهد لف ناحيته:
— يعني إيه؟
نادر سكت للحظات، وبعدها اعترف:
— أنا ساعدته زمان في إخفاء بعض الملفات، لأن منصور ضغط عليّ بأذى عيلتي. لكن لما عرفت إن الموضوع وصل لواقعة أبوك، حاولت أرجع وأصلّح اللي عملته.
فهد بص له بغضب:
— يعني إنت كمان كنت جزءًا من الكذبة!
نادر نزل رأسه:
— أيوه. ومهما عملت بعد كده، مش هقدر أغيّر اللي حصل. لكن أقدر أشهد بالحقيقة.
فهد كان عنده ألف سبب إنه يرفض يسامحه، لكنه قرر إن الأهم دلوقتي هو إن الحقيقة تظهر، وإن المسؤول يتحاسب.
جمعوا المستندات الأصلية، وقدموها للجهات المختصة، ومع شهادة نادر وأدلة التحويلات والتقرير الأصلي، بدأت القضية اللي اتدفنت سنين تظهر للنور.
وبعد التحقيقات، اتكشف تزوير مستندات مالية وإخفاء أدلة مرتبطة بالواقعة، واتقبض على منصور، وبدأت محاكمته على الاتهامات المثبتة بالأدلة.
لكن فهد كان لسه عنده سؤال واحد أهم من كل الفلوس اللي راحت.
فين ياسين؟
اللقاء اللي استناه فهد عمره كله
بعد أسابيع من البحث، وصل لفهد اتصال من الدكتور سامح.
ياسين وافق أخيرًا يقابله.
المقابلة اتحددت في حديقة هادية بعيد عن القصر والشركات والإعلام.
فهد وصل بدري، وفضل واقف جنب شجرة كبيرة، إيده بتترعش رغم إنه حاول يخفي توتره.
بعد دقائق، ظهر شاب في أواخر العشرينات، لابس قميصًا بسيطًا، وفي إيده صورة قديمة لطفلين صغيرين.
قرب الشاب ببطء:
— إنت فهد؟
فهد هز رأسه، ومقدرش يتكلم.




