
متقلقيش يا حاجة. هنشوف إيه اللي نقدر نعمله.
بعد ما خرجت المريضة، إيما رجعت لمكتبها، وفتحت الدرج اللي كانت حاطة فيه الرسالة.
قرأت الكلمات مرة تانية:
فرصة يرتاح فيها شوية، ويبطل يحارب لوحده.
حست إن الرسالة مبقتش مجرد ذكرى من رحلة طيران غريبة.
بقت تذكير ليها إن الخير ممكن يبدأ من تصرف صغير، وإن الإنسان ساعات مش بيحتاج حد ينقذه من كل مشاكله، قد ما بيحتاج حد يخفف عنه جزء من الحمل.
مرت شهور، وحياة إيما بدأت ترجع تدريجيًا لطبيعتها.
أبوها استمر في العلاج والمتابعة الطبية، وهي بدأت تنظم شغلها بشكل أفضل، وطلبت من إدارة المستشفى تقلل عدد الورديات المتواصلة اللي كانت بتاخدها.
مكنش كل يوم سهل، ولسه في أيام كانت بتقلق فيها من نتائج الفحوصات، أو تتعب من ضغط الشغل.
لكنها مبقتش بتحس إنها محاصرة بنفس الطريقة القديمة.
بقى عندها أمل.
وبقى عندها يقين إن طلب المساعدة مش عيب، وإن الحياة أحيانًا بتفتح باب من مكان مكنتش تتوقعه.
أما الشيخ راشد، ففضل بعيد عن المشهد تمامًا.
لا اتصل بإيما.
ولا طلب منها تشكره.
ولا حاول يدخل حياتها.
بالنسبة له، الحكاية انتهت عند اللحظة اللي عرف فيها إن المساعدة وصلت، وإن المستشفى قدرت تكمل الإجراءات المطلوبة.
لكن إيما فضلت محتفظة بالرسالة، وكانت بتفتكرها كل ما تحس إن الدنيا ضاقت بيها.
وفي كل مرة، كانت بتتساءل عن الراجل اللي قدر يعمل حاجة عظيمة من غير ما يسيب حتى اسمه.
هل كان فعلًا هو الشيخ راشد اللي الناس بتخاف منه؟
هل كان ده نفس الرجل اللي بيقولوا إنه قاسي ومش بيرحم حد؟
ولا إن الناس كانت شايفة جانب واحد بس من شخصيته؟
مكنتش عندها إجابة مؤكدة.
لكنها كانت عارفة إن الراجل ده، في لحظة واحدة، عاملها باحترام ورحمة، من غير ما يعرف عنها غير إنها بنت تعبانة وخايفة على أبوها.
وده كان كفاية علشان تفضل فاكرة الموقف طول عمرها.
وفي يوم، وهي راجعة من المستشفى، وقفت إيما قدام محل صغير، وشافت طفل واقف جنب أمه، بيعيط لأنه كان تعبان ومش قادر يكمل مشي.
الأم كانت شايلة شنط كتير، وواضح عليها الإرهاق.
إيما قربت منها وسألتها إذا كانت محتاجة مساعدة، وبعدها ساعدتها توصل لمقعد قريب، وجابت للطفل مية.
الأم شكرتها بحرارة.
إيما ابتسمت وقالت:
مفيش داعي للشكر. كلنا ساعات بنحتاج حد يقف جنبنا.
وهي بتقول الجملة دي، افتكرت نفسها على الطيارة.
افتكرت البنت اللي نامت على كتف غريب من غير قصد، وافتكرت الراجل اللي بدل ما يحرجها، غطاها ببطانية.
وبعدين افتكرت الرسالة.
يمكن الشيخ راشد كان عنده ملايين، ويمكن كان يقدر يشتري أي حاجة تخطر على باله.
لكن الحاجة اللي قدمها لها في اللحظة دي مكنتش مجرد فلوس.
كانت راحة من الخوف.
كانت فرصة إنها تركز على أبوها.
وكانت إحساس إنها مش لوحدها في معركتها.
وعلشان كده، عمرها ما نسيت الرحلة دي، ولا نسيت الراجل اللي نامت على كتفه من غير ما تعرف إنه هيكون سبب في تغيير أصعب أيام حياتها.
وفي النهاية، يمكن الشيخ راشد فضل بالنسبة للناس رجل الأعمال القوي اللي محدش يقدر يعارضه، لكن إيما شافت منه جانب مختلف تمامًا؛ جانب اختار يساعد من غير ضجة، ويحافظ على كرامة إنسانة غريبة، ويخلي فعل الخير أهم من إن حد يعرف مين اللي عمله.
لأن مش كل إنسان قوي لازم يكون قاسي، ومش كل إنسان غني لازم يكون بعيد عن وجع الناس.
أحيانًا، أعظم تصرف ممكن تعمله مش إنك تنقذ العالم كله، لكن إنك تشوف إنسان بيحارب لوحده، وتقرر تخفف عنه الحمل، من غير ما تطلب منه أي حاجة في المقابل.
وساعات، مجرد بطانية على كتف شخص مرهق، أو مصاريف علاج بتتشال من فوق قلب أب وبنته، بتكون بداية أمل عمره ما كان هييجي في بالهم.
النهاية.




