
لو هدفنا نساعد الناس، يبقى الفلوس تروح للمساعدة. مش لازم كل محتاج يقف قدام كاميرا علشان يثبت إنه محتاج.
المدير سكت.
والباقيين بصوا لبعض.
الشيخ راشد كمل:
اللي محتاج علاج، محتاج علاج. مش محتاج يحكي حياته كلها للناس، ولا يفضل مدين بالشكر لحد. اعملوا نظام واضح، يحفظ كرامة المريض ويوصل الدعم لمستحقيه.
كانت دي مجرد تعليمات في اجتماع عادي، لكنها كانت مختلفة عن الطريقة اللي ناس كتير اتعودت تسمع بيها قراراته.
ومع ذلك، الشيخ راشد نفسه مكنش شايف إنه اتغير.
كان شايف إنه عمل حاجة بسيطة، وإنه لو يقدر يساعد شخص من غير ما يسبب له إحراج، يبقى ده كفاية.
بعد فترة، بدأت حالة أبو إيما تستقر نسبيًا، وظهرت نتائج الفحوصات اللي الأطباء كانوا مستنيينها.
الفريق الطبي شرح لها خطة العلاج والخطوات المطلوبة، وبدأوا ينفذوها وفقًا لحالته.
إيما فضلت جنبه، بتتابع كل تفصيلة، وبتحاول تعوضه عن الأيام اللي كانت مشغولة فيها بالشغل ومش قادرة تقعد معاه وقت طويل.
وفي إحدى الليالي، كان أبوها صاحي، وهي قاعدة جنبه بتقرأ له بعض الرسائل اللي وصلته من معارفه.
بص لها فجأة وسألها:
إنتِ نمتي كويس اليومين اللي فاتوا؟
إيما ابتسمت:
أحسن من الأول.
اللي علمتني إني ماسيبش حد محتاجني.
ابتسم أبوها وقال:
المساعدة مش معناها إنك تكسري نفسك علشان كل الناس. لازم تعرفي إنك إنتِ كمان تستحقي حد يقف جنبك.
إيما سكتت.
افتكرت كلام الرسالة.
يمكن الشخص اللي كتبها مكنش يعرف تفاصيل حياتها كلها، لكنه فهم حاجة كانت هي نفسها ناسية تفكر فيها.
إن الإنسان ممكن يفضل يساعد غيره لحد ما ينسى إنه محتاج مساعدة هو كمان.
وإن القوة مش معناها إنك تستحمل كل حاجة لوحدك.
أحيانًا القوة الحقيقية إنك تسمح لحد يساعدك، من غير ما تحس إن ده بيقلل منك.
في إحدى الليالي، بعد ما رجعت إيما من المستشفى، فتحت شنطتها علشان تدور على إيصال قديم، ووقعت عينيها على تذكرة الطيران اللي احتفظت بيها.
طلعتها، وبصت لتاريخ الرحلة.
افتكرت كل لحظة حصلت فيها.
تعبها.
خوفها.
الطائرة.
الرجل الغريب.
البطانية.
والرسالة اللي وصلت لها في صباح اليوم التالي.
ابتسمت بحزن بسيط، وبعدها قالت لنفسها:
يا ترى هو مين؟
كانت نفسها تعرف اسمه، ولو لمرة واحدة، علشان تدعي له باسمه.
لكنها مكنتش تعرف إن في نفس اللحظة تقريبًا، الشيخ راشد كان واقف قدام شباك مكتبه، بيبص لأضواء المدينة من فوق.
كان يومه طويل، واجتماعاته مرهقة، لكنه قبل ما ينام، سأل مساعده سؤال واحد:
في أي جديد عن حالة والدها؟
المساعد رد:
المستشفى أكدت إن الفحوصات المطلوبة اتعملت، وإن خطة العلاج ماشية حسب تعليمات الفريق الطبي. مفيش حاجة مطلوبة من حضرتك في الوقت الحالي.
الشيخ راشد أومأ برأسه:
كويس. خلاص، متتابعش الموضوع أكتر من كده إلا لو المستشفى طلبت إجراء إداري متعلق بالدعم.
حاضر يا سيدي.
المساعد كان هيمشي، لكنه وقف للحظة وقال:
سيدي، لو تسمح لي، البنت دي محظوظة إن حضرتك كنت موجود في الرحلة دي.
الشيخ راشد التفت له، وملامحه رجعت للجدية المعتادة:
مش موضوع حظ. أنا كنت قادر أساعد، فساعدت.
وبعدها أضاف:
وفي ناس كتير غيرها محتاجة فرصة. متخليش الموضوع يقف عند الحالة دي.
المساعد فهم قصده، وأومأ برأسه.
خرج من المكتب، والشيخ راشد رجع يبص للمدينة.
كان عارف إن اللي عمله مش هيغير العالم.
ومش هيحل كل مشاكل الناس.
لكن بالنسبة لإيما، المساعدة دي كانت ممكن تفرق بين إنها تفضل غارقة في الخوف والعجز، وبين إنها تقدر تركز على علاج أبوها.
وأحيانًا، الفرق ده لوحده بيكون كبير جدًا.
أما إيما، فكانت كل ما تقابل حد تعبان في المستشفى، تفتكر نفسها في الطيارة.
كانت بتفتكر إزاي كانت منهكة لدرجة إنها نامت من غير ما تحس، وإزاي الشخص اللي جنبها كان ممكن يعاملها بقسوة، لكنه اختار يتعامل معاها برحمة.
وده خلاها تبص للناس بشكل مختلف.
بقت تحاول تلاحظ المريض اللي ساكت ومش بيشتكي، والأم اللي بتفضل واقفة جنب سرير ابنها لساعات، والعجوز اللي بيحاول يخبي خوفه علشان ميثقلش على أولاده.
مكنتش تقدر تحل كل مشاكلهم، لكنها كانت بتحاول تسمعهم، وتساعدهم باللي تقدر عليه.
وفي يوم، دخلت عليها مريضة كبيرة في السن، وكانت مرتبكة لأنها مش قادرة تدفع تكلفة بعض الإجراءات المطلوبة.
إيما سمعت قصتها، وبعدها ساعدتها تتواصل مع قسم الدعم الاجتماعي في المستشفى، وشرحت لها إزاي تقدم طلب المساعدة.
الست مسكت إيدها وقالت:
ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي. أنا كنت فاكرة إني هفضل لوحدي.
إيما ابتسمت، وحست بقلبها بيدفى:




