
لكن سامح فتح حقيبته بهدوء وأخرج أصل العقد وحطه قدام الجميع وقال: “عشان كده جبت الأصل.”
جوزي انحنى فوق الورقة، قرأ التوقيع، ثم رفع رأسه ببطء: “التوقيع ده مش توقيع أبويا.”
سامح قال: “بالضبط.”
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت ارتطام قوي من خارج البيت. فؤاد جري ناحية الباب، وبعد ثواني رجع وهو ماسك ظرفًا وقع أمام العتبة، كان مكتوب عليه اسمي أنا.
فتحت الظرف، وكان جواه مفتاح صغير وصورة لبيت قديم وتحتها جملة واحدة: “لو عايزة تعرفي ليه والدك اختارك إنتِ، روحي للمكان اللي اتولدتِ فيه.”
ليان كانت واقفة عند باب الغرفة ووشها كله دموع، وواضح إنها سمعت آخر جملة. قالت: “يبقى أنا مين؟”
نجوى ما قدرتش ترد. ليان بصت لأمها وبعدين لأمي: “أنا بنت مين؟”
أمي قربت منها لكن ليان رجعت خطوة: “ما تلمسينيش، أنا عايزة الحقيقة.”
سامح قال بهدوء: “الحقيقة موجودة في الملف.” فتح السجل على الصفحة الأخيرة، كان فيه اسم الطفلة الأولى وبعده ملاحظة مكتوبة بخط اليد. قرأ: “تم تسليم الطفلة إلى ذويها بتاريخ…” وسكت
ليان قالت: “مين ذويها؟”
سامح أشار إلى اسمين؛ اسم والدها واسم أمها. ليان حطت إيدها على بوقها: “يعني أمي وأبويا الحقيقيين كانوا عارفين؟”
عصام قرب منها: “أنا ما كنتش أعرف.”
ليان بصت له بصدمة: “يعني إنت فعلًا أبويا؟”
عصام هز راسه: “أيوه.”
ليان بدأت تبكي: “طب ليه ما دورتش عليا؟”
عصام قال: “دورت سنين.” ثم أخرج مجموعة خطابات قديمة: “كل خطاب رجع لي من غير رد.”
نجوى قالت: “لأني كنت بخاف عليك.”
ليان التفتت لها: “إنتِ؟”
نجوى بكت: “كنت عارفة إن في ناس بتدور على الأطفال علشان الورث، وكنت فاكرة إن إخفاء الحقيقة هو الطريقة الوحيدة أحمي بيها الكل.”
جوزي قال: “لكن إنتِ خبيتي الحقيقة عن أختي وعن زوجتي وعنّي.”
نجوى سكتت.
سامح أشار للملف: “وفيه حاجة أخطر.” فتح ورقة قديمة: “التبديل ما حصلش بالصدفة.”
أنا قربت: “يعني إيه؟”
قال: “حد طلب من المستشفى تبديل الملفين.”
جوزي سأل: “مين؟”
سامح حط إصبعه على توقيع أسفل الصفحة: “الشخص ده.”
كلنا قربنا، التوقيع كان واضحًا، وأنا أول ما شفته عرفته. قلت: “ده توقيع أبو جوزي.”
جوزي اتراجع: “بس ليه؟”
سامح قال: “لأنه كان عارف إن واحدة من الطفلتين معرضة للخطر.”
ليان سألَت: “أنا ولا هي؟”
سامح لم يرد، بل فتح الصفحة الأخيرة، وكان فيها سطر واحد فقط: “الطفلة التي تحمل العلامة على كتفها هي التي يجب حمايتها.”
جوزي بصلي ثم قال: “عندك علامة على كتفك؟”
أنا اتجمدت، لأن عندي فعلًا علامة صغيرة من وأنا طفلة.
لكن قبل ما أقدر أرد، نجوى قالت: “أيوه.” ثم بصت لأمي: “وعشان كده أنا أخفيت الحقيقة كل السنين دي.”
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت طرق على باب المبنى؛ ثلاث خبطات، ثم صوت رجل من الخارج: “افتحوا، أنا جاي آخد البنت اللي عليها العلامة.”
الكل اتجمد. جوزي وقف قدامي فورًا، وعصام مسك إيد ليان، أما نجوى فصرخت: “اقفلوا الباب! هو لقاها!”
جوزي قفل الباب بسرعة، وسامح سند الخزانة الحديدية معاه عشان يمنعوا أي محاولة لاقتحام الغرفة، بينما فضلت واقفة وسط الكل وأنا حاسة إن تفاصيل حياتي كلها اللي عشتها متبدلة، وإننا كلنا كنا مجرد أوراق في لعبة طويلة كتبها ناس سبقتنا ومشيوا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




