
حماتي كانت بتعدّ اللقم اللي باكلها من الأكل اللي أنا دافعة تمنه! مرة قالت لي: “إنتِ أكلتي من اللحمة أكتر من ابني.”
بصيت لها وقلت: “ما أنا اللي شاريها.”
قالت: “بس هو ابني… يعني نصيبك أقل!”
ساد صمت ثقيل في الأوضة، صمت يخنق. صوت شوكتها لما اترمت على الطبق كان يرن في ودني زي جرس إنذار. بصيت لجوزي اللي قاعد جنبي، مستنية منه أي رد فعل، أي كلمة تُرد لي كرامتي اللي بتهدر كل يوم على السفرة دي. لكنه اكتفى إنه يبص في طبقه، يقلّب الرز ببرود وكأنه مش جالس معانا، ولا كأن أمه لسه حاطة سقف لشبَعي في بيت أنا اللي شايلة مصاريفه طول بعرض!
المرتب بتاعي اللي بينزل كل أول شهر بيروح حسابه على الفواتير، الجمعيات، والسوبر ماركت.. حتى اللحمة اللي في الطبق دي، أنا اللي واقفة طابور الجزار بفرك في إيدي من التعب بعد يوم شغل ١٢ ساعة عشان أجيبها.
رفعت راسي وبصيت لها في عينها بثبات، وقلت بنبرة هادية بس طالعة من حرقة دم: “يعني إيه نصيبي أقل يا طنط؟ هو أنا باكل من خير حد؟ أنا الشغالة اللي جبتوها ولا صاحبة البيت ده اللي بتدفع قسطه ومصاريفه؟”
ضحكت ضحكة صفرا، فيها كل أنواع الاستهانة، ومالت ضهرها لورا وهي بتقول بثقة مرعبة: “صاحبة البيت؟ البيت ده بيت ابني، وأي قرش يدخله بيبقى بتاعه.. إنتِ هنا عشان تخدميه وتراعيه، مش عشان تقاسميه في لقمته وتحسبيها بالورقة والقلم. أصل البنات اليومين دول نسيوا أصلهم أول ما مسكوا قرشين!”
الكلام نزل عليا زي المية المغلية. التفتّ لجوزي وقلت وصوتي بيترعش من الغضب: “أحمد.. إنت ساكت ليه؟ ساكت وأمك بتقول إن مالي مالك، وإن ماليش حق حتى أشبع من أملي وشقايا؟ قول كلمة واحدة!”
أحمد حط المعلقة بالراحة، حك دقنه وقال بصوت واطي ومستسلم: “خلاص بقى يا مي.. كبري دماغك، أمي تقصد إن الراجل بيحتاج أكل أكتر عشان بيتعب.. مش قصده حاجة، بلاش تعملي مشكلة من حتة لحمة!”
“من حتة لحمة؟!”.. الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر السكوت اللي بقاله سنتين.
قمت وقفت، والكرسي اتدحرج ورتعدت الأرض تحتي. بصيت لهم هما الاتنين، لقيتهم شايفيني مجرد ماكينة فلوس وخدمة، من غير أي وجود أو احترام. مسحت الشفة بتعتي، وبصيت لأحمد ونظرتي اتغيرت تماماً.. الحب اللي كان في عيني انطفأ، والضعف اتحول لشيء تاني خالص.. شيء مظلم وجريء.
قلت لهم بصوت واطي بس حاسم: “تمام.. ما دام البيت ده بيت ابنك، والأكل ده حقه لوحده.. يبدأ من بكرة بقى يدفع هو تمن اللحمة، وقسط الشقة، ومصاريف الكهربا والمية.. وأنا هوريكي نصيبي الحقيقي هيكون إيه.”
مشيت ناحية الأوضة، وفي دماغي فكرة واحدة بس.. فكرة لو تنفذت بكرة الصبح، مش بس هتقلب السفرة دي، دي هتهد البيت ده على رأس اللي فيه، وهتخليهم يعرفوا القيمة الحقيقية للقمة اللي كانوا بيعدّوها عليا!
دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا بالترباس.
صوت ضربات قلبي كان عامل زي طبول الحرب في ودني. إيدي كانت بتترعش، مش من الخوف ولا الضعف، لكن من غليان الدم اللي محبوس في عروقي بقاله سنتين. سنتين وأنا بقول “معلش.. عشان بيتي يعمر”، “معلش.. هي في مقام أمي”، “معلش.. أحمد ظروفه على قده والست الأصيلة بتشيل مع جوزها”.
بس الليلة دي، القناع وقع، والأصالة اتقابلت بالندالة والعدّ على اللقمة.
طلعت شنطة أوراقي من الدولاب، فتحتها وسحبت الفايل الأزرق. الفايل ده اللي فيه كل وصل تحويل، كل إيصال سداد لقسط الشقة، كل كشف حساب بنكي للـ24 شهر اللي فاتوا، وشيكات الجمعيات اللي كنت بقبضها وأسلمهالهم يجددوا بيها عفش البيت ويكملوا أقساط الشقة اللي متسجلة بأسمائهم!
سحبت الموبايل، وطلبت أستاذ طارق، محامي العيلة وصديق والدي الله يرحمه. الساعة كانت 10 بالليل، بس صدى صوتي المخنوق خلاه يرد باهتمام:
— خير يا مي؟ فيه حاجة حصلت؟
تنفست بتعب وقلت:
— أستاذ طارق.. الورق اللي سلمتهولك الشهر اللي فات جاهز؟ الإثباتات والإنذارات البنكية كملت؟
رد بثبات حاسم:
— كل حاجة جاهزة ومثبتة رسمي يا مي. التحويلات اللي كنتِ بتحوليها من حسابك لحساب أحمد باسم (سداد أقساط وحدات سكنية) مثبتة، وإيصالات الجزار والسوبر ماركت المسحوبة بفيزتك الشخصية معايا.. والتوكيل الصوري اللي أحمد استغله عشان يسحب أرباح وديعتك أثبتنا فيه خيانة الأمانة. القرار قرارك إنتِ من الصبح.
مسحت دموعي بإيدي وقلت بصوت حاد زي الموس:
— ابدأ الإجراءات فوراً يا أستاذ طارق.. ارفع القضية، واعمل حظر وتجميد على الحسابات، وقدم طلب التمكين وبلاغ الأموال العامة مع أول دقيقة شغل الصبح.
تاني يوم الصبح.. الساعة كانت 8:30. خرجت من الأوضة وأنا لابسة طقم الشغل، جاهزة ومرفوعة الرأس.
لقيت حماتي، طنط سعاد، قاعدة على الكنبة في الصالة حاطة رجل على رجل وبتمسك الموبايل بتلعب فيه، وأحمد قاعد جنبها يشرب القهوة وبيستعد ينزل شغله. أول ما شافوني خرجت، حماتي بصلتي بصه كلها استعلاء وقالت بنبرة تهكمية:
— صباح الخير يا هانم.. كويس إنك صحيتي عشان تشوفي شغل البيت قبل ما تنزلي، واللحمة اللي فاضلة من امبارح سيبيها لأحمد يتغدى بيها عشان وراه شغل ثقيل.. إنتِ طبعاً عارفة إن الراجل هيبتك ونيله!
أحمد بصلها وابتسم ابتسامة باهتة، وبصلي بثقة كأنه مستني إني أعتذر عن تصرف امبارح وأبوس إيد أمه.




