
اتجمدت: “أنا معنديش عم.”
أبويا رد: “عندك.. بس طول عمرك فاكرة إنه مات معايا.”
ثم فتح الصفحة الأخيرة من الملف، وكانت فيها صورة رجل كبير.
أنا عرفته فورًا؛ لأن الصورة كانت معلقة في بيتنا من وأنا صغيرة.. الرجل اللي أمي كانت بتقولي عليه إنه خالك القديم.
لكن اسمه الحقيقي كان: “منصور عبد الرحمن.”
أبويا قال: “ده أخويا.. ورا كل اللي حصل.”
وفي اللحظة نفسها، مقبض باب المطبخ بدأ يتحرك ببطء.
ثم جاء صوته من الخارج: “سارة.. افتحي الباب.”
وسكت لحظة ثم قال: “أنا عارف إنك اكتشفتي الحقيقة.. وعارف كمان إن محمود مش جوزك الحقيقي!”
اتجمدت وأنا ببص لمحمود: “مش جوزي الحقيقي؟! يعني إيه الكلام ده؟”
محمود ما ردش.. ودي كانت أول مرة أشوف الخوف في عينيه بوضوح.
أبويا قال بسرعة: “متصدقيش أي كلمة يقولها.. عمك بيحاول يوقعكم في بعض.”
لكن الصوت من ورا الباب رجع: “اسألي محمود عن اللي حصل ليلة جوازكم.”
بصيت لمحمود: “إيه اللي حصل؟”
سكت ثواني وبعدين قال: “أنا كنت أعرفك قبل ما تتجوزيني.”
“أعرفني إزاي؟”
“كنت مكلف أراقبك وأحميك.”
اتراجعت خطوة: “يعني جوازنا كان جزء من الخطة؟”
هز راسه: “في البداية أيوه.”
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي: “طب وإنت حبيتني إمتى؟”
رفع عينه لي: “من أول ما بطلت أشوفك كمهمة.”
أبويا قاطعه: “محمود خاطر بحياته أكتر من مرة عشان يحميك.”
لكنني ما كنتش قادرة أسمع أي حاجة.. كل الذكريات بدأت ترجع في دماغي: أول مرة قابلت محمود، إصراره إنه يوصلني بنفسه، خوفه الزائد على آدم، حتى الليلة دي.. هو اللي اتصل بالنجدة وهو اللي حاول يحمينا.
وفجأة فهمت.
قلت: “إنت كنت عارف إن الأكل فيه حاجة؟”
محمود قال: “أيوه.”
“وسكت؟”
“لأن لو واجهت الشخص اللي حطها، كان هيعرف إننا اكتشفنا الخطة.”
وقبل ما أرد، سمعنا صوت المفتاح بيحاول يفتح الباب.
أبويا أشار لنا ناحية الباب الجانبي: “لازم نخرج دلوقتي.”
لكن أمي وقفت: “لأ.”
بصينا لها.. طلعت من شنطتها فلاشة صغيرة وقالت: “دي أهم من أي ورقة في الملف.”
سألتها: “فيها إيه؟”
قالت: “تسجيل كامل بصوت عمك.”
محمود مد إيده: “نقدر نسلمه للشرطة.”
أمي هزت راسه: “لو خرجنا بيه دلوقتي، مش هنلحق.”
وفجأة الباب بدأ يتكسر.. ضربة ثم ضربة تانية.. آدم بدأ يعيط.. محمود وقف قدامنا وأبويا أمسك مقبض الباب الجانبي.
وقبل ما نفتحه، أمي مسكت إيدي وقالت: “سارة.. مهما حصل، متديش الفلاشة لحد غير الضابط اللي اسمه مكتوب على ظهرها.”
بصيت للفلاشة.. كان مكتوب عليها اسم الضابط، لكن الاسم خلاني أتجمد؛ لأنه كان نفس الاسم الموجود في شهادة وفاة أبويا!
وفي اللحظة دي، فهمت إن اختفاء أبويا ما كانش السر الوحيد.. كان فيه شخص تاني المفروض إنه مات، ولسه عايش!
بصيت للاسم المكتوب على الفلاشة مرة تانية وقلبي كان بيخبط بعنف: “ماما.. إزاي اسم ضابط متوفي يبقى على الفلاشة؟”
أمي ردت وهي بتبص ناحية الباب: “لأنه مش متوفي.”
أبويا قال: “الضابط ده كان الوحيد اللي وثقت فيه وقتها.”
“طب ليه أعلنوا وفاته؟”
أبويا سكت لحظة: “لأن عمك كان لازم يصدق إنه مات.”
ضربة قوية هزت باب المطبخ.. محمود قال: “لازم نتحرك دلوقتي!”
فتح الباب الجانبي، لكن أول ما خرجنا للحوش سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.
حسام بص من فوق السور: “في عربيتين تانيين وصلوا!”
محمود قال: “الطريق الخلفي.”
جرينا ناحية البوابة الصغيرة.. كنت ماسكة آدم بإيدي وأبويا وأمي ورايا.
لكن قبل ما نوصل، نور كشافات قوية ضرب في وشوشنا.. عربية وقفت قدام البوابة، بابها اتفتح ونزل منها رجل ببدلة رسمية.
محمود وقف.. الرجل رفع إيده: “محدش يتحرك.”
قلت بقلب واجف: “إنت مين؟”
بص لي مباشرة: “أنا الضابط اللي اسمُه مكتوب على الفلاشة.”
أمي شهقت، وأبويا قال: “سامر.”
الضابط بص له: “اتأخرتوا ست سنين يا عادل.”
وبعدين طلع كارنيه رسمي: “لكن المرة دي عندنا كل الأدلة.”
وفجأة خرج عم محمود من البيت من الناحية التانية وكان ماسك مسدسًا، صرخ: “ارمي الكارنيه!”
الضابط ما اتحركش وقال بهدوء: “خلاص يا منصور.”
ثم أشار خلفه.. ظهرت سيارات أخرى ونزل منها رجال شرطة.
عم محمود حاول يرجع للبيت، لكن حسام اعترض طريقه، وفي ثواني اتقبض عليه.
أنا فضلت واقفة مكاني مش مصدقة إن كل اللي حصل انتهى.
لكن الضابط سامر قرب مني وقال: “سارة.. لسه في حاجة واحدة لازم تعرفيها.”
بصيت له: “إيه؟”
فتح ملف كان في إيده: “التحقيق أثبت إن المادة اللي كانت في الأكل ما كانتش قاتلة.”
بصيت لمحمود ثم لأمي: “يعني مين كان عايز يقتلنا؟”
سامر قال: “الشخص اللي حط المادة القاتلة مش موجود في البيت.”
ثم أخرج صورة من الملف.. كانت صورة لشخص واقف عند باب مطعم قبل ساعات من العشا.
بصيت للصورة واتجمدت.. لأن الشخص ده كان أقرب إنسان ليا بعد محمود، الشخص اللي كنت بثق فيه ثقة عمياء!
ورفع سامر عينه لي وقال: “الشخص ده هو اللي اشترى المادة، وهو اللي كان بيراقب البيت طول الأسبوع.”
ثم قلب الصورة وكان مكتوب خلفها: **المشتبه به الرئيسي: أخو سارة.**
لكن أنا ما كانش عندي أخ أصلًا.. أو على الأقل ده اللي كنت فاكرة.
بصيت للصورة وأنا مش قادرة أتكلم: “أخويا؟! أنا معنديش أخ!”
سامر بص لأبويا، وأبويا نزل عينه للأرض: “كان لازم تعرفي في يوم من الأيام.”
قربت منه: “تعرفني إيه؟”
أمي بدأت تعيط: “سارة.. قبل ما أتجوز أبوكي، كان عندي ابن.”
اتجمدت: “ابن؟”
هزت راسه: “اسمه ياسين.”
“وأين هو؟”
أبويا رد: “اختفى وهو صغير.”




