روايات وقصص

لما جوزي أذاني

— علشان لما بكلمه، بييجي.

دخلت الحمام وعيطت.

مش علشان الرسمة كانت حزينة.

لكن علشان فهمت أخيرًا قد إيه ابني كان شايل خوف جواه، وأنا كنت فاكرة إني مخبية عنه كل حاجة.

كنت فاكرة إن أعذاري بتحمي آدم.

لكن الحقيقة إنه كان واخد باله من كل تغيير في صوتي.

ومن كل سكوت وقت الأكل.

ومن كل ليلة كنت أفضل فيها أتحرك في المطبخ مستنية كريم يرجع.

بعد كام شهر، شركة التمويل اعترفت بوجود مشاكل مهمة في إجراءات القرض، وأوقفت المطالبة مؤقتًا أثناء استمرار الاعتراض والتحقيق.

وبطل سجلي يتعامل مع الدين ده كأنه التزام عادي وما عليهش أي خلاف.

والورشة كمان بدأت تواجه نتائج ديونها.

شريك قديم طالب بمراجعة الحسابات بعدما اكتشف معاملات ما كانش يعرف عنها حاجة.

كريم اضطر يتفاوض مع الموردين، ويبيع جزء من البضاعة، ويواجه نتائج قرارات كان مخبيها عن الكل لشهور.

ما حصلش انهيار درامي.

ولا مشهد من فيلم.

الحياة الحقيقية كانت أبطأ.

معاملات.

جلسات.

فحوص.

فواتير متأخرة.

محامين بيسألوا أسئلة.

وأوراق بترجع بأختام.

والنتائج كانت بتتراكم في الأماكن اللي كانت الأكاذيب موجودة فيها.

وفي القضية الخاصة بالعنف، الجهات المختصة راجعت التقارير الطبية وباقي الأدلة.

وكريم بدأ يواجه رسميًا النتائج القانونية المترتبة على القرارات اللي اتخذت في القضية، ومنها قيود على التواصل.

أنا ما احتفلتش.

لفترة طويلة كنت فاكرة إني لما أوصل للحظة دي هحس براحة وانتصار.

ما حصلش.

حسيت بتعب.

وبعدين حسيت بالسلام.

بعد كام شهر، آدم رجع من إحدى زياراته لأبوه وهو محتار جدًا.

حط الديناصور على الترابيزة.

كان عينه قربت تقع.

قال:

— ماما…

قلت:

— نعم؟

قال:

— بابا قال إنك خدتي كل حاجة منه.

نزلت لمستواه.

قلت:

— أنا ما خدتش ورشة أبوك.

قال:

— طب ليه قال كده؟

أول حاجة جات في بالي إني أقول له إن كريم بيكدب.

كان عندي قائمة طويلة جدًا من الحاجات اللي ممكن أقولها.

لكن آدم كان عنده خمس سنين.

ما كانش محتاج يشيل غضبي.

قلت:

— ساعات لما شخص كبير يضطر يواجه نتائج اختياراته، بيكون أسهل عليه يقول إن شخص تاني هو السبب.

آدم سكت.

وبعدين سأل:

— ينفع أفضل بحب بابا؟

السؤال وجعني جدًا.

قلت:

— ينفع.

— حتى لو أنا زعلان منه؟

— ينفع برضه.

بص لي.

— وإنتِ لسه بتحبيه؟

اتأخرت قبل ما أرد.

وقلت:

— أقدر أفتكر الحاجات الحلوة اللي عشتها مع أبوك، وفي نفس الوقت أعرف إني ما ينفعش أعيش معاه تاني.

آدم فكر شوية.

وبعدين مسك الديناصور.

وقال:

— يعني ينفع نحب ذكرى من غير ما نحب نرجع لها؟

عمري ما سمعت تعريف بسيط بالشكل ده لحاجة أخدت مني سنين علشان أفهمها.

قلت:

— ينفع.

بعد سنة، كنت لسه عايشة في نفس البيت.

فكرت كتير إني أبيعه.

المطبخ كان أصعب مكان بالنسبة لي.

لأسابيع، كل مرة ألمس فيها الرخامة، جسمي كان بيفتكر قبل دماغي.

لكن قررت إن كريم مش هياخد المكان ده معاه بعد ما مشي.

غيرت الأقفال.

وشلت الحامل اللي كان بيعلق عليه مفاتيحه.

وغيرت ترتيب الأثاث.

ودَهنت الحيطان بلون فاتح.

وفي الدولاب اللي كنت زمان بخبي فيه الإيصالات علشان أتجنب الأسئلة، حطيت ملف مرتب فيه المستندات والعقود وأرقام المعاملات.

وعملت صندوق طوارئ جديد.

المرة دي ما كنتش محتاجة أخبيه.

ولما الرصيد وصل تاني لـ1,480 دولار، فضلت أبص للرقم على الشاشة.

لشهور، كنت بقول لنفسي:

«بسبب الـ1,480 دولار دول حياتي انتهت».

لكن في اليوم ده فهمت إني كنت غلط.

حياتي ما انتهتش.

والفلوس ما كانتش المشكلة الحقيقية.

المبلغ ده بس كشف حاجة كانت موجودة أصلًا.

حولت 500 دولار زيادة لصندوق الطوارئ.

وابتسمت.

في اللحظة دي آدم دخل جري.

— ماما!

— في إيه؟

— جدو قال إننا هنروح نصطاد يوم الأحد.

قلت:

— يبقى نروح معاه.

آدم رفع موبايلي.

— ممكن آخده؟

— ليه؟

وراني رسمة السمكة الزرقا اللي كانت لسه موجودة في صورة أبويا.

وقال:

— علشان لو حد احتاج مساعدة، لازم يعرف يتصل.

ضحكت.

وآدم ضحك كمان.

والجملة دي فضلت معايا.

سنين وأنا فاكرة إن السكوت طريقة أحمي بيها ابني من عيلة اتكسرت.

لكن سكوتي ما كانش بيحافظ على العيلة.

كان بيحافظ على الخوف جواها.

آدم، وهو عنده خمس سنين، وماسك ديناصور أخضر وموبايل أكبر من إيديه، هو اللي عمل حاجة أنا لسه ما كنتش قدرت أعملها.

طلب المساعدة من غير ما يستأذن.

لحد دلوقتي، ناس بتسألني ليه ما مشيتش بدري.

في وقت من حياتي، السؤال ده كان بيخليني أحس بالعار.

دلوقتي لأ.

أنا عارفة إن اللي بيتفرج من بره بيشوف أبواب شكلها سهل تتفتح.

لكن اللي عايش جوا يعرف إن الخوف ممكن يحول باب مفتوح لحائط.

أنا ما بقيتش أقول إني فضلت علشان ما كنتش فاهمة.

أنا كنت فاهمة.

وبرضه ما بقولش إني فضلت علشان ما كانش فيه أي مخرج.

كان فيه مخارج.

لكن أنا وقتها ما كنتش مصدقة إن من حقي أستخدمها.

التغيير الحقيقي حصل لما ابني بص لي وأنا على الأرض، وفهم قبلي إن اللي بيحصل ده ما ينفعش يستمر.

الليلة دي افتكرت إني بخسر جوازي، وأماني، ويمكن حتى بيتي.

لكن النهارده عرفت إني كنت باستعيد حاجة كنت سلمتها بالتدريج على مدار سنين.

صوتي.

اختياري.

حياتي.

ولو في يوم حد سألني عن اللحظة بالضبط اللي مشيت فيها، مش هتكلم عن الجلسة، ولا الطلاق، ولا الأقفال اللي غيرتها.

هتكلم عن المطبخ ده.

عن طفل ماسك ديناصور.

وعن موبايل في إيده.

وعن مكالمة واحدة علمتنا إحنا الاتنين إن طلب النجدة عمره ما المفروض يعتمد على إذن الشخص اللي بيسبب الخوف.

أنا فضلت لما كنت بخلط بين إني أعيش وإني بس أفضل على قيد الحياة.

ومشيت لما اتعلمت أخيرًا الفرق.

وما رجعتش أبدًا.

 

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى