Uncategorized

تلات أطفال

تلات أطفال.
تلات أصوات صغيرة.
ونفس الكلمة…
ماما.
مرة ورا مرة.
ماما…
ماما…
ماما…
إيدي بدأت تترعش بعنف.
الناس اللي حوالينا بطلت تاكل.
شوكة وقعت من إيد واحدة على الطبق.
وواحد من الزباين لف كرسيه عشان يشوف.
وفجأة…
حسيت إن المطعم كله بقى باصص علينا.
وأنا واقفة قدام التلاتة…
مش عارفة أتحرك.
ولا عارفة آخد نفسي.
ولا عارفة ليه الأطفال دول بالذات…
شافوني أنا…
وكأنهم عارفيني من زمان.
ما كنتش عارفة أتحرك.
ولا حتى عارفة أرد.
كنت واقفة قدام التلاتة، وبسمع كلمة ماما بتتكرر في دماغي كأنها صدى بعيد.
ماما…
ماما…
ماما…
وفجأة سمعت صوت عمر الشناوي
إنتِ تعرفيهم؟
رفعت عيني له.
وشه كان اتغير.
ما بقاش راجل الأعمال الهادي اللي دخل من شوية.
كان مركز معايا بطريقة تخوف.
قلت وأنا بهز راسي
لأ.
صوتي خرج ضعيف.
أول مرة أشوفهم في

حياتي.
بص للتلات أطفال.
وبعدين بصلي تاني.
متأكدة؟
بلعت ريقي.
أيوه.
قبل ما يقول أي حاجة، البنت مدت إيدها ناحيتي تاني.
المرة دي عمر شالها بسرعة.
البنت بدأت تعيط.
لكن أول ما قربها منه، زادت في العياط.
وبعدها مدت إيدها ناحيتي.
ماما…
الكلمة كسرت حاجة جوايا.
قلت من غير ما أحس
أنا مش مامتهم.
عمر رد بصوت هادي جدًا
يمكن هما شايفين فيكي حاجة إحنا مش شايفينها.
ساعتها حسيت إن رجلي مش شيلاني.
رجعت خطوتين.
قلت
عن إذنك… عندي شغل.
ومشيت.
لكن قبل ما أوصل للمطبخ، سمعت صوت عمر ورايا
سلمى!
وقفت.
لفيت.
قال
ممكن نتكلم بعد الشيفت؟
اترددت.
وبعدين هزيت راسي.
الساعة أربعة ونص، كنت قاعدة في غرفة صغيرة جنب المطبخ.
عمر دخل لوحده.
قفل الباب.
وقال
أنا سألت مديرك عنك.
اتوترت.
ليه؟
لأن اللي حصل مش طبيعي.
سكت شوية، وبعدين قال
الأطفال دول عمرهم سنة وأربع شهور.
حسيت الدم انسحب من وشي.
سألته
وإنت عرفت منين؟
لأنهم أولاد أختي.
رفعت عيني بسرعة.
أختك؟
هز راسه.
أختي ماتت بعد الولادة بأيام.
سكت.
وبعدين كمل
والأطفال دخلوا حضانة خاصة بعد وفاتها. ومن ساعتها وأنا المسؤول عنهم.
بصلي طويلًا.
لكن فيه حاجة أنا مش فاهمها.
قلت
إيه؟
طلع موبايله وفتح صورة.
حطها قدامي.
كانت صورة لطفل رضيع.
نفس الشعر الكيرلي.
نفس العينين العسلية.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت
دي…
صوتي اختفى.
قال
دي صورة الطفل اللي في النص يوم ولادته.
قربت الصورة مني.
وفي نفس اللحظة شفت حاجة

صغيرة جنب ودنه.
علامة بنية صغيرة.
نفس العلامة اللي كنت فاكرة إنها كانت موجودة في ابني.
رفعت إيدي على بوقي.
أنا ولادي كان عندهم العلامة دي.
عمر سكت.
قلت
التلاتة.
وشه اتجمد.
إنتِ بتقولي إيه؟
بدأت أحكي.
عن الحمل.
عن المستشفى.
عن الليلة اللي ولدت فيها.
عن إنهم قالولي إن التلاتة ماتوا.
وعن إنهم ما سمحوش لي أشوفهم.
ولا حتى أشوف جثامينهم.
قالوا إن حالتهم كانت حرجة، وإنهم ماتوا واحد ورا التاني.
وبسبب خطورة الولادة، كنت شبه فاقدة الوعي.
لما طلبت أشوفهم…
قالولي
إحنا خلصنا الإجراءات.
وبعدها بأيام استلمت شهادة وفاة لكل طفل.
ثلاث شهادات.
ثلاثة أسماء.
ثلاثة تواريخ.
لكن مفيش صورة واحدة.
مفيش بصمة قدم.
مفيش تحليل DNA.
مفيش أي دليل حقيقي إني شفت ولادي بعد الولادة.
عمر فضل ساكت.
وبعدين سأل
اسم المستشفى؟
قلت
الرحمة.
وشه اتغير.
سألني
سنة كام؟
قلت السنة.
فتح موبايله بسرعة.
بدأ يدور في حاجة.
وبعدين رفع عينه لي.
سلمى…
نعم؟
أختي كانت في نفس المستشفى.
حسيت إني مش سامعة كويس.
إمتى؟
قال التاريخ.
نفس اليوم.
نفس المستشفى.
نفس الليلة.
في اللحظة دي دخل حسام، مديري.
كان وشه أصفر.
وقال
سلمى… في حد بيسأل عليكي بره.
عمر وقف.
مين؟
حسام بلع ريقه.
دكتور اسمه سامح فوزي.
اسم الدكتور وقع عليا زي الحجر.
سامح فوزي.
كان هو الدكتور اللي استقبلني ليلة الولادة.
قلت
هو هنا ليه؟
حسام ما ردش.
عمر فتح الباب وخرج.
بعد أقل من دقيقة رجع وقال
الدكتور مشي.
سألته
ليه؟
قال
أول ما شافني، جري.
الليلة دي عمر وصلني لحد بيتي.
وقبل ما ينزل، قال
متفتحيش الباب لأي حد.
ضحكت بعصبية.
هو أنا في فيلم؟
بصلي بجدية.
لأ.
وبعدين قال
إنتِ في حاجة أخطر من فيلم.
دخلت شقتي.
ولأول مرة من أربعة عشر شهر…
طلعت صندوق صغير كنت مخبياه تحت السرير.
جواه كانت كل أوراق ولادي.
شهادات الوفاة.
ورقة المستشفى.
إيصالات.
وأهم حاجة…
سوارين مستشفى قديمين.
كنت محتفظة بيهم.
لكن وأنا بقلب فيهم، لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده.
السوارين مكتوب عليهم نفس الرقم.
أما الثالث…
فكان رقمه مختلف.
أخذت الموبايل واتصلت بعمر.
قلت
عمر…
أيوه؟
عندي حاجة لازم تشوفها.
في صباح اليوم التالي، قابلنا محامي عمر.
اسمه ياسر.
حطيت الأوراق قدامه.
قرأها مرة.
وبعدين مرة تانية.
وقال
فيه مشكلة.
قلت
إيه؟
أشار لشهادات الوفاة.
الأرقام دي مش أرقام سجلات وفاة.
أمال إيه؟
أرقام ملفات حضانة.
سكتنا كلنا.
قال
وفيه حاجة أغرب.
طلع نسخة من سجل قديم.
وقال
الأطفال التلاتة اللي عند عمر اتسجلوا في المستشفى في نفس الليلة تقريبًا.
سألته
باسم مين؟
رفع عينه لي.
باسم أم متوفية.
قلت
مين؟
بص لعمر.
أختك.
عمر اتجمد.
مستحيل.
المحامي قلب الصفحة.
أختك كانت متوفية قبل الولادة بيومين.
الصمت نزل علينا.
محدش اتكلم.
لحد ما عمر قال
يعني الأطفال…
المحامي رد
كانوا محتاجين أم على الورق.
بصيت لعمر.
وده معناه إيه؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى