Uncategorized

نضفي شقة أمي

— يا تروحي دلوقتي حالا تنضفي شقة أمي، يا إما بكرة الصبح هرمي عليكِ يمين الطلاق.

​محمود قال الجملة دي وهو قاعد قدام التلفزيون، ماسك كانز في إيده، وبكل ثقة وعين جامدة.. نفس الثقة الغريبة بتاعة واحد مابيدفعش جنيه واحد في البيت بقاله ست شهور.

​والسخرية في الموضوع، إن الخناقة كلها بدأت بسبب كنبايّة!

​قبلها بأسبوع، كنت قاعدة بشرب القهوة في شقتي في مصر الجديدة، وسمعت خبط ورزع على الباب. محمود دخل وهو بيزق كنبايّة نبيتي قطيفة كبيرة، هابطة ومتربة ودراعاتها متأكلة.

​— دي بتاعة أمي، بتمحر وبتدهن الشقة ومش عايزة ترميها، هتفضل عندنا هنا شهر.

​بصلته وبصيت للكنبة وأنا ساكتة.

​أنا عندي 42 سنة، مديرة حسابات في شركة مقاولات كبيرة، والشقة دي شقتي وأنا اللي شاريها من حر مالي قبل ما أعرفه أصلا. محمود دخل حياتي من ثلاث سنين بشنطة هدوم، ولاب توب، وكلام كتير مابينتهيش عن مشاريع وأفكار.

​من ست شهور اتفصل من شركة التوزيع اللي كان شغال فيها، ومن ساعتها وهو بيكلمني عن “صفقات” و”بيزنس جديد”، بس نشاطه الفعلي الوحيد إنه بيصحى كل يوم بعد الساعة 12 الضهر.

​— أنا عندي حساسيات تراب —قلتله بجمود— الكنبة دي مش هتفضل هنا.

​— ما تكبريش الموضوع يا ندى! أمي وقفت جنبنا ولما اتجوزنا شالت عننا كتير.

​الحقيقة إن حماتي، طنط سميحة، كل اللي عملته إنها أهدتنا خلاط مستعمل وعملت الغدا أول أسبوع، بس محمود كان بيتكلم وكأنها هي اللي مجهزة الشقة.

​الكنبة فضلت مكانها.

​بعدها بكيام، طنط سميحة دخلت الشقة بالنسخة اللي محمود إداهالها “عشان الطوارئ”. فتحت التلاجة، اتأفأفت لما لقتني جايبة سالمون، وقعدت تطبطب على الكنبة وكأنها خلاص بقت قطعة أساسية في الصالة.

​وفي نفس اليوم بالليل، سمعتها بتهدس له في أذنه:

— لما يجيلك فلوس، إياك تحطها كلها في البيت.. شيل قرشين على جنب، الملاعيب كتير وما تضمنش الستات.

​في نفس الليلة، فتحت أبلكيشن البنك ورجعت كشف حساب الكارت الإضافي اللي كنت مدياه لمحمود عشان مصاريف البيت. لقيت سحوبات في كافيهات، ألعاب فيديو، بنزين، وورد! يوم 8 مارس كان فيه فاتورة ورد بـ 1800 جنيه!

​وأنا في نفس اليوم ده كان جايبلي وردة واحدة دبلانة من السوبرماركت بـ 20 جنيه.

​ما عملتش هيصة ولا اتخانقت. في ساعتها غيرت الباسوردات، قللت ليميت الكارت للحد الأدنى، ووقفت دفع أي رفاهيات.

​لما الكارت اترفض معاه في بنزينة، كلمني وهو بياكل نفسه من الغيظ:

— أنتِ جرسْتيني وهنتيني!

— اركب على قد فلوسك.

— أنتِ ست مادية ومفجوعة فلوس!

— تؤ.. أنا الست اللي بتجيب الفلوس.

​ومن ساعتها والعيشة بقت جحيم.

​طنط سميحة بقت تتصل كل يوم: ضهرها بيوجعها، السخان بيفرقع، الحنفية بتخر. وفي ليلة طلبت مني أروح أسيق لها الحمام عشان السباك “بهدل الدنيا”.

​رفضت.

​بعدها بأسابيع، رجعت من الشغل الساعة 9 بالليل هلكانة. لقيت طنط سميحة ممددة على الكنبة بتعتي، وحاطة رجليها بالشال على ترابيزة الصالة.

​— أمي ضغطها علي —محمود قالها بنبرة أمر— هتبات معانا كام يوم وهتنام في أوضتنا.

​— بيتها في مدينة نصر، مش بعيد.

​طنط سميحة اتنهدت بمسكنة:

— خلاص يا حبيبي، لو أنا تقيلة عليكم أروح أموت لوحدي في شقتي.

​— ندى، اعمليلها شاي —محمود أدى القرار— ونضفي الممر، أمي دلقت دوا نقط نقطتين هناك.

​— انزل نضفه أنت.

​قرب مني وهو متغاظ:

— نعم؟ قلتِ إيه؟

— قلتلك أنا مش خدامة عندك ولا عند أمك.

​وهنا قال الجملة اللي قطعت آخر خيط كان فاضل بيننا:

​— يا تروحي دلوقتي حالا تنضفي شقة أمي عشان ترجع ترتاح، يا إما بكرة الصبح هرمي عليكِ يمين الطلاق.

​بصلته بضع ثواني..

وابتسمت.

​— ماشي.. هات مفاتيح شقتها.

​محمود ابتسم بانتصار وشايف إنه كسرني:

— أيوا كده، ينعدل حالك، كان لازم تفهمي من بدري.

​أخدت المفاتيح ونزلت.

​هو افتكر إني خلاص استسلمت وكسر كلمتي.

​ماكانش عنده أدنى فكرة أنا هلاقي إيه ورا باب شقة أمه.

 

​شقة طنط سميحة ماكانتش باين عليها خالص إنها شقة ست مريضة ومش قادرة توطي تمسح الأرض.. الشقة كانت تتوضب عشان تترهن أو تتأجر!

​كانت ريحتها دهان جديد، والبلاط بيبرق، والحمام زي الفل ومافيهوش أي أثر لخر حنفية ولا لبهدلة السباك المزعومة. وعلى ترابيزة السفرة كان فيه بروشورات لشركة تسويق عقاري.

​في اللحظة دي، الباب خبط.

​فتحت، لقيت ست لابسة كارنيه وماسكة تابلت في إيدها.

— مساء الخير، أنا جيهان من الشركة العقارية.. جاية أخد آخر صور للشقة. هي الحاجة سميحة خلصت العزل خلاص؟

​حسيت بنغزة في بطني وركبي خبطت في بعض:

— عزل؟

الست استغربت رد فعلي وقالت:

— اه، هي قالت إنها رايحة تعيش مع ابنها مدة مش حددتها.. الشقة خلاص اتحجزت والسكّان الجداد هيستلموا يوم الإثنين.

​في ثانية واحدة، لغز الكنبة اتحل في دماغي!

الكنبة ماكانتش راكنة عندنا “شهر”.. الكنبة كانت أول دفعة من نقل العفش اللي بيحصل من ورا ضهري!

​— هي اتحجزت من إمتى؟

— من إمبارح، والدفع جاد جداً واندفع العربون.

— اندفع للحاجة سميحة؟

جيهان بصلت في التابلت وقالت:

— لا، هي طلبت تحويل العربون على حساب ابنها، محمود.. قالت إنه هو اللي بيمسكلها مصاريفها وأمورها المالية.

— والإيجار كام؟

— 14 ألف ونص في الشهر.

​14 ألف ونص!

أنا اللي كنت بأكل وأشرب وأدفع فواتير الكهربا والنت وصيانة العمارة وبنزين العربيات، وشايلة مصاريف محمود من الألف للياء.. وفي نفس الوقت، هو وأمه متفقين يقعدوها عندي في بيتي، ويأجروا شقتها ويحطوا إيجارها في جيبه!

​جيهان لاحظت الصدمة على وشي:

— فيه مشكلة يا فندم؟

— مشكلة ضخمة.. بس مش معاكي أنتِ.

​طلبت منها لينك الإعلان بتاع الشقة، وفتحت الموبايل لقيت مكتوب: “شقة للتقبيل أو الإيجار، متوضبة ومدهونة حديثاً، الاستلام فوري”.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى