
ظللت أنظر إلى أمي دون أن أجيب.
كانت واقفة أمام باب الغرفة، وملامحها لم تعد تشبه ملامح المرأة التي أعرفها.
لم يكن في وجهها غضب.
كان هناك خوف.
خوف حقيقي.
قالت بصوت منخفض:
—نور… أنا بس عايزة الشريحة.
ابتسمت بهدوء.
—ليه؟
ارتبكت.
—لأنها حاجة قديمة تخص حسن.
نظرت إلى حسن.
كان صامتًا.
فقلت:
—غريبة… حسن قالي إنها تخص أبويا.
تغير وجه أمي.
—حسن قالك كده؟
—أيوه.
ساد الصمت.
ثم اقتربت أمي من السرير.
—حسن، كفاية بقى.
رفع عينيه إليها.
—كفاية إيه يا سعاد؟
—بعد السنين دي كلها، لسه هتفتح الموضوع؟
قال حسن بهدوء:
—أنا ما فتحتش الموضوع. نور هي اللي لقت الحقيقة.
بدأت أمي تبكي.
لكنني لم أتعاطف معها هذه المرة.
كنت أريد إجابات.
—عايزة أعرف أبويا مات إزاي.
أمي مسحت دموعها بسرعة.
—أبوكي مات في حادثة.
—دي الإجابة اللي سمعتها وأنا طفلة.
—وهي الحقيقة.
—لأ.
قلت الكلمة بثبات.
—لو كانت الحقيقة، مكنتيش خفتي لما شوفتي الخاتم.
لم ترد.
اقتربت منها.
—إنتِ كنتِ عارفة إن فيه شريحة جوه الخاتم.
سكتت.
وهذا كان كافيًا بالنسبة لي.
خرجت من الغرفة.
سمعت أمي تناديني:
—نور!
لكنني لم ألتفت.
ذهبت إلى سيارتي وجلست بداخلها.
أخرجت هاتفي واتصلت بسامي.
رد بعد الرنة الثانية.
—وصلتي؟
—أيوه.
—سمعتي الرسالة اللي بعتها لك؟
—أيوه.
—الشريحة معايا.
سكت قليلًا.
ثم سألته:
—إيه اللي عليها؟
تنفس بعمق.
—مش هينفع أقولك في التليفون.
—سامي، أنا محتاجة أعرف.
—لازم تشوفي ده بنفسك.
—فين؟
—مكتبي.
ذهبت إليه فورًا.
بعد حوالي ساعة وصلت إلى مكتبه في وسط القاهرة.
كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، وملامحه تحمل إرهاق سنوات طويلة.
أغلق باب المكتب خلفي.
ثم وضع الشريحة أمامي.
—قبل ما نشوف اللي عليها، لازم تعرفي حاجة.
—إيه؟
—أبوكي كان شريك حسن في مشروع كبير.
—أي مشروع؟
—شركة مقاولات.
تفاجأت.
—أبويا كان مقاول؟
ابتسم سامي بحزن.
—كان رجل أعمال ناجح.
ثم أضاف:
—وكان عنده ثروة أكبر بكتير مما كنتِ تعرفي.
شعرت بالذهول.
—طب الفلوس راحت فين؟
نظر إليّ مباشرة.
—ما راحتش.
سكت.
ثم قال:
—اتحولت.
—لمين؟
أشار إلى الكمبيوتر.
—افتحي الملف.
ظهر أمامي جدول طويل.
تواريخ.
تحويلات.
حسابات بنكية.
وشركات.
لكن اسمًا واحدًا تكرر عشرات المرات.
مؤسسة النور العائلية.
—دي المؤسسة اللي لقيتها في الحساب؟
—أيوه.
—مين أنشأها؟
صمت سامي لحظة.
ثم قال:
—أبوكي.
حدقت فيه.
—إمتى؟
—قبل وفاته بستة شهور.
شعرت أن رأسي يدور.
—وليه؟
—علشان يحط جزء من ثروته في أمان.
—أمان من مين؟
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
—من سعاد.
شعرت وكأن أحدهم صفعني.
—أمي؟
أومأ.
—أبوكي اكتشف إنها كانت بتسحب فلوس من حسابات الشركة من غير علمه.
—مستحيل.
—هو كمان قال كده في البداية.
ثم فتح ملفًا آخر.
كان هناك تسجيل صوتي.
ضغط سامي على زر التشغيل.
جاء صوت رجل أعرفه رغم مرور سنوات طويلة.
صوت أبي.
توقفت أنفاسي.
قال في التسجيل:
—لو التسجيل ده وصل لبنتي نور، يبقى غالبًا أنا مت.
وضعت يدي على فمي.
استمر الصوت:
—نور، أنا عارف إنك هتسمعي الكلام ده بعد سنين. وعايزك تعرفي حاجة واحدة… أنا ما سبتلكيش فلوس وبس.
توقف التسجيل لثوانٍ.
ثم تابع:
—أنا سبتلك دليل.
نظرت إلى سامي.
ثم عاد صوت أبي:
—الدليل موجود في المكان اللي بدأت فيه قصتي مع حسن.
انتهى التسجيل.
سألت سامي:
—يعني إيه المكان اللي بدأت فيه قصته مع حسن؟
هز رأسه.
—مش عارف.
—إنت كنت شريكه!
—كنت شريكه في آخر سنوات حياته، لكن حسن كان يعرفه قبل كده بسنين.
فجأة تذكرت شيئًا.
صورة قديمة كنت رأيتها في بيت حسن منذ سنوات.
كان فيها حسن وأبي يقفان أمام مبنى قديم.
خلفهما لافتة زرقاء.
تذكرت الاسم.
ميناء رشيد.
قلت:
—رشيد.
رفع سامي رأسه.
—إيه؟
—المكان اللي بدأ فيه كل شيء… كان في رشيد.
سكت لحظة.
ثم قال:
—يبقى لازم نروح هناك.
في المساء عدت إلى المستشفى.
كان حسن نائمًا.
اقتربت منه بهدوء.
فتح عينيه.
—عرفتي؟
جلست بجواره.
—أبويا كان مخبي فلوس.
ابتسم.
—كنت عارف.
—وعمل مؤسسة سرية.
—كنت عارف.
—وأمي كانت بتسحب منها فلوس.
لم يرد.
قلت:
—إنت كنت شريكه في كل ده؟
ظل صامتًا.
ثم قال:
—أبوك كان أعز صاحب ليا.
—طب ليه أمي كانت بتخاف من الشريحة؟
نظر إليّ.
—لأنها عارفة اللي فيها.
—إيه اللي فيها؟
قبل أن يجيب، سمعنا طرقًا على الباب.
دخل رجل لا أعرفه.
كان يحمل حقيبة صغيرة.
نظر إلى حسن.
ثم إليّ.
وقال:
—أنا جاي آخد حاجة تخص المرحوم والدك.
وقفت فورًا.
—مين حضرتك؟
ابتسم.
—واحد كان يعرف أبوكي كويس.
—اسمك؟
قال:
—فارس.
ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة.
—واللي جواها هو السبب الحقيقي اللي خلّى أبوكي يموت.
تجمدت في مكاني.
نظرت إلى حسن.
كان وجهه قد شحب تمامًا.
قال له بصوت مرتجف:
—إنت لسه عايش؟
ابتسم فارس.
—كنت فاكرني مت؟
ثم التفت إليّ.
—أبوكي ما ماتش في حادثة يا نور.
اقترب مني.
وقال:
—أبوكي اتقتل.
شعرت بأنني لم أعد أسمع شيئًا حولي.
ثم أضاف:
—والشخص اللي أمر بقتله… موجود في حياتك لحد النهارده.




