
رحت لبيت طليقتي عشان تمضي على ورقة، لكني اتفاجئت بطفل عيونه نفس عيوني، وبعدها سمعت صوت أمي اللي قالوا لي إنها غابت من 3 سنين!
رحت لبيت طليقتي عشان تمضي على ورقة، لكني لقيت طفل عنده 6 سنين، عيونه نفس عيوني، بيجري من تحت شجرة زيتون وينادي عليها ماما!. وفي الوقت اللي كانت فيه بتخيط هدوم عشان تقدر تجيب تمن العلاج، خطيبتي اتصلت بيا وقالت هتبوّظ فرحنا عشان طليقتك؟. لغيت الفرح واتصلت بمحاميتي، لكن فجأة سمعت صوت من جوه البيت بيغني التهويدة اللي محدش كان يعرفها غير أمي!
الجزء الأول
لما أحمد الشناوي شاف طفل عنده 6 سنين بيجري خارج من بيت طليقته، وبينادي عليها ماما، حس إن الرحلة اللي عملها من القاهرة لقرية صغيرة في ريف مطروح اتحولت فجأة لحاجة أخطر بكتير من مجرد إمضا على ورقة.
أحمد كان رايح هناك عشان يخلص موضوع تجاري قبل فرحه بشهر على رانيا، بنت واحدة من أكبر العائلات اللي شغالة في مجال العقارات. كل اللي كان محتاجه إن مريم عبد العال، طليقته، تمضي على عقد بيع قطعة أرض كانوا ورثوها وقت جوازهم.
وبس، مفيش أي حاجة تانية.
فضل يكرر الكلام ده لنفسه طول الخمس ساعات اللي قضاها في الطريق.
كانت مريم واقفة في حوش بيت صغير مبني بالحجر، تحت ضل شجرة زيتون قديمة. كانت بتحط على صينية شوية قهوة وعصير برتقال وعيش محمص عليه زيت زيتون.
كانت لابسة فستان فاتح عليه رسومات ورق شجر، وشعرها ملموم نص لمّة. أول ما شافته واقف جنب عربيته الحمرا، ما بانش عليها أي اندهاش.
بصت له وقالت ببرود:
تمان سنين يا أحمد! تمان سنين من غير حتى تليفون تسأل فيه عليّا، ودلوقتي تظهر فجأة، لابس كأنك جاي تشتري البلد كلها!
حط أحمد الملف اللي في إيده على ترابيزة خشب.
الأرض اللي في البلد لسه مسجلة باسمنا إحنا الاتنين. أنا ورانيا فرحنا كمان شهر، وأهلها عايزين يضموها لمشروع سياحي ريفي. هيدفعوا لك تعويض كويس.
بصت مريم للملف، وبعدها رفعت عينيها وبصت للبيت.
كويس بالنسبة لمين؟
اتلفت أحمد حواليه، وبص على الحيطان البسيطة، وأصص الزرع، وكرسي الخيزران اللي كان واضح إنه اتصلح أكتر من مرة.
قال بنبرة فيها شفقة متعالية:
كان ممكن تعيشي أحسن من كده.
ابتسمت مريم ابتسامة حزينة.
إنت لسه فاكر إن الحياة الأحسن معناها فلوس أكتر وحاجات أغلى!
الكلمة ضايقته، لأنها فكّرته بالست اللي حبها زمان، قبل ما يبقى عنده سواق خاص، ومكتب فخم في القاهرة، واسم عيلته يتحول لعلامة معروفة في عالم العقارات.
قبل ما يرد عليها، حطت مريم قدامه فنجان قهوة أبيض، في حافته شرخ صغير.
أحمد اتجمد مكانه.
كان ده نفس الفنجان اللي كانت بتحضر له فيه القهوة أيام ما كانوا عايشين في شقة صغيرة في شبرا، وكان هو لسه بيجري بين مواقع البناء ويدور على أول مشروع يقدر يبدأ بيه حياته.
بص للفنجان باستغراب.
كنت فاكر إنك رميتيه من زمان!
ردت مريم بهدوء:
أنا مش برمي الحاجة لمجرد إنها اتشرخت أو اتعورت.
سكتوا هما الاتنين، وبقى الصمت تقيل بينهم.
وفجأة، طلع صوت كحة من جوه البيت.
لف أحمد وشه ناحية الباب وسألها:
إنتِ عايشة مع حد هنا؟
ملامح مريم اتغيرت في لحظة.
أنا برعى ست كبيرة في السن.
وقبل ما يلحق يسألها سؤال تاني، ظهر طفل صغير جاي من ناحية الممر الترابي، وعلى ضهره شنطة مدرسة زرقا.
جري الطفل على مريم، وحضنها من وسطها، وبعدها رفع عينيه وبص لأحمد بفضول بريء.
أحمد حس إن نفسه اتسحب منه.
الولد كان عنده نفس عيونه العسلية بالظبط، ونفس الحركة الغريبة اللي كان بيرفع بيها حاجب واحد لما يستغرب حاجة، وهي حركة ورثها أحمد نفسه عن أبوه.
قالت مريم بصوت متوتر:
اسمه يوسف.
الولد رفع دقنه بفخر وصحح لها:
عندي ست سنين ونص يا ماما، مش ست سنين بس!
أحمد حس إن قلبه بيدق بعنف، وبدأ يحسبها من غير ما يقصد.
تمان سنين من يوم ما انفصل عن مريم، وسبع سنين من يوم الطلاق، والولد عنده ست سنين ونص!
بص لمريم، وصوته خرج بالعافية:
وأبوه فين؟
مريم وقفت وعدلت وقفتها.
أحمد، لأ… بلاش!
لكن يوسف كان سبقها بالكلام، وبص لأحمد ببراءة وقال:
ماما بتقول إن بابا بيبني عمارات عالية أوي في القاهرة، وإنه في يوم من الأيام هييجي عشان يتعرف عليّا.
الصينية اللي كانت في إيد مريم مالت فجأة، وكوباية العصير وقعت على الأرض، واتناثر العصير على التراب.
أحمد فضل واقف مكانه، مش قادر يبعد عينيه عن وش الطفل.
كل حاجة حواليه اختفت، وما بقاش سامع غير صوت قلبه والسؤال اللي كان بيصرخ جواه: هل الولد ده ابنه فعلًا؟ وهل مريم كانت مخبية عنه الحقيقة طول السنين دي؟
وفجأة، جه صوت ست عجوز من جوه البيت، صوت واطي ومتهدج، وهي بتقول ببطء:
هو حبيبي وصل؟ هو ابني جه؟
أحمد اتسمر مكانه.
كان يعرف الصوت ده كويس، لدرجة إنه اتعرف عليه قبل حتى ما يستوعب إزاي ممكن يسمعه في المكان ده.
ده كان صوت أمه!
أمه اللي أخته نجلاء كانت مأكدة له إنها بقالها تلات سنين كاملة في دار رعاية خاصة في سويسرا، وإن حالتها الصحية ما تسمحش لها ترجع مصر.
بص أحمد ناحية باب البيت، ووشه شحب، وهمس لنفسه:
أمي؟!




