
شعرت أنني فقدت القدرة على الكلام.
ظللت أحدق في فارس، ثم نظرت إلى حسن.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه مثبتتين على الرجل الواقف أمامنا.
قلت بصوت مرتجف:
—إنت بتقول إن أبويا اتقتل؟
أجاب فارس:
—أيوه.
—ومين اللي قتله؟
نظر إلى حسن.
ثم عاد ينظر إليّ.
—قبل ما أقولك مين، لازم تعرفي إن أبوكي كان عارف إنه في خطر.
أخرج من حقيبته ملفًا قديمًا ووضعه أمامي.
فتحته.
كانت بداخله صور ومستندات وتحويلات بنكية.
وبين الأوراق وجدت صورة لأبي.
كان يقف بجوار رجل لم أتعرف عليه في البداية.
لكن تحت الصورة كان هناك تاريخ يعود إلى أكثر من عشرين سنة.
قلت:
—مين الراجل ده؟
قال فارس:
—اسمه مراد.
توقفت.
—مراد مين؟
—مراد الشناوي.
سمعت الاسم من قبل.
كان أحد أكبر رجال الأعمال الذين تعامل معهم أبي.
قلبت الأوراق بسرعة.
وجدت مجموعة من العقود.
كانت هناك مبالغ مالية ضخمة خرجت من شركة أبي إلى شركات أخرى.
لكن أبي كتب ملاحظة بخط يده على أحد المستندات:
«لا تثقوا في مراد.»
رفعت عيني إلى فارس.
—أبويا كان شاكك فيه؟
—مش بس شاكك.
قال فارس:
—أبوك اكتشف إن مراد كان بيستخدم شركات وهمية لتحويل أموال من مشاريع مشتركة.
—وليه ما بلغش الشرطة؟
—كان محتاج دليل أقوى.
ثم أشار إلى حسن.
—وحسن كان بيساعده.
نظرت إلى حسن.
—ليه ما قلتليش؟
خفض عينيه.
—كنت خايف عليكِ.
—خايف عليا من إيه؟
—من نفس الشخص اللي خوفني طول السنين دي.
اقتربت منه.
—أمي كانت تعرف؟
ساد صمت طويل.
ثم قال حسن:
—أمك عرفت بعد موت أبوكي.
—وعملت إيه؟
أغمض عينيه.
—اختارت تسكت.
شعرت بغضب شديد.
—يعني أمي كانت عارفة إن أبويا اتقتل وسكتت؟
هز رأسه.
—مش كل الحقيقة.
—إيه اللي مش عارفاه؟
نظر إليّ.
—هي كانت جزءًا من الاتفاق.
تراجعت خطوة.
—اتفاق إيه؟
قال فارس:
—بعد وفاة والدك، حصل اتفاق بين سعاد ومراد.
—على إيه؟
—إنها تسكت عن المستندات، وفي المقابل تفضل عائلتها بعيدة عن المشاكل.
ضحكت بمرارة.
—وده سبب إنها كانت بتسحب فلوس المؤسسة؟
فارس لم يجب.
فهمت الإجابة من صمته.
قلت:
—والفلوس اللي اتسرقت من المؤسسة؟
قال:
—جزء منها كان بيروح لمراد.
تذكرت الرحلة.
وتذكرت الـ170 ألف جنيه.
قلت:
—طب ليه أخدوا فلوس العلاج وسافروا؟
نظر فارس إلى حسن.
ثم قال:
—لأنهم كانوا محتاجين يخرجوا من البلد لفترة.
—ليه؟
—لأنهم عرفوا إن الشريحة ظهرت.
تجمدت.
—يعني الرحلة دي مش مجرد رحلة؟
—لأ.
قال فارس:
—كانت محاولة للهروب من اللي هيحصل.
فجأة فهمت.
أمي لم تكن تتصرف بعشوائية.
كانت تحاول شراء الوقت.
لكن بقي سؤال واحد.
—لو كل ده صحيح… ليه أمي سابت حسن؟
قال فارس:
—لأن حسن أصبح خطرًا عليها.
التفت إلى حسن.
كان ينظر إلى الأرض.
قلت:
—إنت كنت هتبلغ عنهم؟
قال:
—كنت ناوي.
—إمتى؟
—بعد ما أضمن إنك بعيدة عنهم.
ثم أضاف:
—لكنهم سبقوني.
نظرت إلى زجاجة الدواء الموجودة في حقيبتي.
—والدواء المسكن؟
قال فارس:
—ده كان محاولة للتخلص من آخر شخص يقدر يشهد ضدهم.
شعرت بالغثيان.
—يعني كانوا عايزين حسن يموت؟
لم يجب أحد.
لكن الصمت كان أوضح من أي كلام.
في صباح اليوم التالي، بدأت أراجع كل شيء.
الحسابات.
التحويلات.
المؤسسة.
مصاريف الرحلة.
كلها كانت أجزاء من صورة واحدة.
ثم اكتشفت شيئًا جعلني أشعر بالصدمة.
قبل سفر أمي بيوم واحد، تم تحويل مبلغ كبير من مؤسسة العائلة إلى حساب مجهول.
كان المبلغ:
ثلاثة ملايين جنيه.
لكن التحويل لم يتم باسم مراد.
بل باسم شركة صغيرة لم أسمع بها من قبل.
بحثت عن الشركة.
وكان عنوانها في الإسكندرية.
لكن المفاجأة كانت في اسم صاحبها.
كريم سعاد عبد الرحمن.
أخي.
وضعت الهاتف على الطاولة.
لم أصدق.
كريم لم يكن مجرد شخص أنفق أموال العائلة.
كان يمتلك شركة تُستخدم لتحويل الأموال.
وهنا فهمت لماذا كان مرتاحًا جدًا في صور الرحلة.
لم يكن ينفق من ماله.
كان ينفق من المال الذي لم يكن من حقه.




