روايات وقصص

ابني اتوفى في شهر العسل

لكنها ما سكتتش، وكملت وهي رافعة دقنها: لا، استنى يا عيسى، لازم تعرف كل حاجة. ابنك كان عايز يعيش هنا معايا في القاهرة، وإنتِ كنتِ مصممة تعملي له شقته هناك في البلد، وتخليه يعيش جنبك، وكل يوم يروح لك وييجي، كأن مفيش حياة ليه غيرك!

بصيت لعيسى پصدمه وندى كملت كلامها من غير رحمة: هو كان عايز يقنعك تيجي تعيشي معانا هنا، لكن أنا رفضت. أنا مش عايزة أعيش مع حماتي، وعايزة بيتي يبقى ليا أنا وجوزي. قلت له يواجهك ويقولك إنه مش عايز يرجع البلد، وإنه اختار يعيش هنا.

عيسى حاول يقاطعها: ندى، كفاية!

صړخت فيه: سيبني أكمل! إنت طول عمرك مش عارف تواجه أمك، وكنت كل شوية تقول لي أمي ملهاش غيري، ولو سبتها أهلي هيفضلوا يزنوا عليا أرجع، وهي كانت حنينة عليا ومش هقدر أقولها إني مش عايز أعيش جنبها.

وبعدين بصت لي وقالت: وفي الآخر، أنا اللي اقترحت عليه الحل. قلت له يفهمك إنه غاب ونخلص من الحكاية دي كلها. وهو وافق!

في اللحظة دي، ضحكت. أيوه، ضحكت من كتر الصدمة، لدرجة إني حسيت إن عقلي خلاص مش قادر يستوعب اللي بسمعه.

بصيت لابني وقلت: يعني إنت مقدرتش تقولي يا أمي أنا مش عايزك في حياتي؟ مقدرتش تقولي أنا هعيش بعيد عنك؟ فقررت توجع قلبي وتخليني أغيّبك بإيدي؟!

عيسى بص لي بدموعه وكسوف وقال: يا أمي، والله أنا غلطان، بس صدقيني الموضوع كان صعب، وأنا ماكنتش عارف أتصرف إزاي. أنا كنت خاېف أزعلك، وندى كانت بتضغط عليا، وأنا…

قاطعته وقلت: استنى يا عيسى، ماتكملش. إنت عارف أنا عشت إزاي السبع شهور دول؟ عارف كنت بصحى كل يوم أبص على باب أوضتك وأستنى أسمع صوتك؟ عارف كنت بحط الأكل وأفتكر إنك مش هترجع تاكله؟

وبعدين حطيت إيدي على حلقي وقلت: صوتي راح يا ابني! أنا اتخرست من الحزن عليك! أخويا كان بياخدني للدكاترة عشان يرجعولي صوتي، وأنا كنت كل اللي بتمناه إني أسمعك مرة واحدة تقول لي يا أمي.

دموعي نزلت وأنا بكمل: أنا كنت مستعدة أسيب لك الشقة والبلد وكل حاجة، وكنت هقولك روح عيش حياتك، بس إنت ما اديتنيش حتى فرصة أختار. إنت حكمت عليا بالغياب وأنا عايشة.

عيسى كان بيعيط وبيحاول يمسك إيدي، لكني سحبتها منه.

وقلت له: قلبي مكانش مصدق إنك غائب يا عيسى، كان كل يوم بيقولي ابني عايش، ابني هيرجع. بس دلوقتي صدق… دلوقتي أنا عرفت إن ابني اللي ربيته مش موجود، وإن اللي قدامي واحد قدر يغيّب أمه وهي لسه عايشة.

حاول يقف قدامي وقال: يا أمي، سامحيني، أنا ابنك مهما حصل.

بصيت له وقلت: ربنا يهنيك يا ابني، ويبارك لك في حياتك، ويقوم مراتك بالسلامة.

وبعدين بصيت لندى وقلت: ربنا يسامحك على اللي عملتيه فيا، أنا مش هقدر أقول أكتر من كده.

ومشيت.

عيسى جري ورايا وهو بينادي: يا أمي! استني! أرجوكي اسمعيني!

لكن أنا ما وقفتش.

ركبت تاكسي ورجعت لأخويا، ولما شافني سألني إيه اللي حصل، ما قدرتش أحكيله غير وأنا بعيط.

ومن يومها رجعت بلدي، وقررت أقفل باب الحكاية دي.

عدت الأيام، ورجعت لبيتي القديم، لنفس الأوضة اللي كنت بحط فيها هدوم عيسى، ونفس السرير اللي كان بينام عليه وهو صغير.

بس المرة دي ما بقيتش مستنياه يرجع.

كنت كل ما أفتكر إنه عايش، أحس بألم جديد، لأن الغياب أهون بكتير من إنك تعرف إن أغلى إنسان عندك اختار يوجعك بالشكل ده.

مرت سنة ورا سنة، لحد ما عدت تلات سنين.

وفي يوم شتوي، كنت قاعدة قدام التلفزيون، وسمعت خبط على الباب.

قمت أفتح، لقيت عيسى واقف قدامي، شايل شنطة هدوم كبيرة، وشكله متغير، دقنه طويلة، وهدومه مش مرتبة، وعينيه مليانة دموع.

أول ما شافني قال بصوت واطي: إزيك يا أمي؟

فضلت باصة له من غير ما أرد.

قال وهو بيحاول يبتسم: وحشتيني يا أمي.

بصيت للشنطة اللي في إيده وسألته: خير؟ جاي تعمل إيه؟

نزل عينه وقال: أنا خسړت كل حاجة يا أمي. الشغل اللي كنت فاتحه خسر، واتراكمت عليا الديون، وندى طلبت الطلاق، والمحكمة حكمت لها بالبيت عشان حضانة الولد.

سكت شوية وبعدين كمل: أنا دلوقتي مليش مكان أروح له، ومش عارف أعمل إيه.

حسيت بغصة في قلبي، لكن حاولت أتماسك.

قلت له: وإنت فاكر إن البيت ده فندق؟ تسيب أمك تتعب من الحزن، ولما الدنيا تقفل في وشك تيجي تخبط على بابها؟

قال بسرعة: عارف إني غلطان، وعارف إني ما استاهلش، بس والله ما لقيتش حد أروح له غيرك.

مسكت مقبض الباب وكنت هقفله في وشه، وقلت: ملكش مكان عندي يا عيسى، روح شوف حياتك زي ما اخترت تعيشها من تلات سنين.

لكن إيدي وقفت.

بصيت في عينيه، لقيته بيبص لي بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي وهو طفل لما يقع ويتعور ويجري عليا.

لقيت نفسي مش قادرة أقفل الباب.

تنهدت وقلت: ادخل.

أول ما سمع الكلمة، رمى الشنطة من إيده، وارتمى في حضڼي زي الطفل الصغير، وفضل يعيط بصوت عالي.

كان بيبوس إيدي وبيقول: سامحيني يا أمي، سامحيني. أنا عارف إني كسرت قلبك، وعارف إن مفيش عذر للي عملته. أنا كنت أناني، وخفت أواجهك، فاخترت أسهل طريق ليا وأصعب طريق عليكي.

وبعدين نزل على رجلي وباسها، وقال: والله ندمان، والله كل يوم كنت بصحى وأفتكر إني سبتك فاكرة إني غائب، كنت بحس إني أبشع إنسان في الدنيا. سامحيني يا أمي، أنا مليش غيرك.

وقفت ساكتة شوية، وبعدين حطيت إيدي على راسه.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت: ادخل يا ابني، ده بيتك، ومحدش يمشيك منه، ولا حتى أنا.

رفع راسه وبص لي بأمل، لكني كملت: بس اسمعني كويس يا عيسى. البيت ده مفتوح لك، ولقمتك من لقمتنا، وهتفضل ابني مهما عملت. إنما السماح ده حاجة تانية، ده مش بإيدي. ده حاجه بتاعة ربنا، وأنا هدعيه إنه يقدرني أنسى اللي عملته، ويشيل من قلبي الألم اللي سابته السنين دي.

عيسى مسح دموعه وقال: هعمل كل اللي يرضيكي يا أمي، ومش هزعلك تاني أبدًا.

قلت له وأنا بفتح له باب الأوضة: ابدأ من جديد يا ابني، بس المرة دي اتعلم إن الصراحة مهما كانت صعبة، أهون بكتير من كلمة تؤذي اللي بيحبوك.

دخل عيسى بيته القديم، وقعد على نفس الكنبة اللي كان بيقعد عليها وهو صغير، وفضل يبص حواليه ويمسح دموعه.

أما أنا، فدخلت المطبخ أعمل له أكل، زي ما كنت بعمله زمان.

بس جوايا حاجة اتغيرت.

أنا رجعت أمه، لكن مش نفس الأم اللي كانت فاكرة إن ابنها مستحيل يوجعها.

وعرفت إن أقسى ألم مش إنك تفقد حد بتحبه بالغياب، أقسى ألم إنك تكتشف إنه كان عايش، وقادر يوصلك، لكنه اختار يسيبك تتعب من غيره.

حكايات زهرة الربيع

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى