
بعدها روحت المستشفى.
أول ما إيمان شافتني، حاولت تتكلم بسرعة، لكني وقفتها بإشارة من إيدي:
مش لازم تبرري حاجة يا إيمان. أنا عرفت كل حاجة.
عينيها اتحركت بين وشي والباب، وكأنها بتدور على مخرج.
فريدة، إنتِ فاهمة غلط.
حطيت قدامها صورة جلال وهو معاها في الشقة المطلة على البحر، وبعدها صورة العقد اللي عليه توقيعه.
وشها فقد لونه.
وعرفت كمان إنكم كنتوا ناويين تخلّصوا على جوازي وفلوسي في نفس الوقت. ما تحاوليش تقولي إنك كنتِ بتحبيه وبس. اللي بيحب ما بيخططش يسرق أخته ويتركها من غير حق.
إيمان انفجرت في البكاء، لكنها المرة دي ما لقيتش عندي نفس الحنان اللي كانت بتستغله طول عمرها.
أنا مش جاية أنتقم منك بإيدي، ولا جاية أسمع أعذارك. كل حاجة هتتحاسب بالقانون، ومن النهارده علاقتنا انتهت.
خرجت من أوضتها من غير ما أبص ورايا.
أما جلال، فرجع من الساحل يوم الأحد وهو فاكر إنه هيلقاني مستنياه في البيت، بنفس ابتسامتي المعتادة، وبنفس الثقة اللي كان بيستغلها كل يوم.
لكنه بدل ما يلاقيني، لقى إخطارًا رسميًا من المحامية، ونسخة من بعض الأدلة اللي كشفت جزءًا من اللي عمله.
اتصل بيا مرات كتير. ما رديتش.
وبعد أيام، لما حاول يقابلني، وافقت أشوفه في مكتب المحامية.
دخل وهو متوتر، وحاول يبدأ كلامه بنفس الأسلوب اللي كان دايمًا بيكسب بيه ثقتي:
فريدة، لازم تسمعيني. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
بصيت له بهدوء:
طيب، فهمني. اشرح لي ليه كنت بتحوّل فلوس من ميراث أبويا، وليه اشتريت لإيمان بيت على البحر، وليه كنتوا بتخططوا إنك تطلقني من غير ما تدفع لي حقي.
فتح بقه، لكنه ما عرفش يرد.
طلعت صورة من الفيديو اللي سجل فيه هو وإيمان خطتهم، وحطيتها قدامه.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
إنتِ وصلتي للفيديوهات كمان؟
وصلت لكل حاجة يا جلال. واللي معايا اتسلم للمحامية، وكل تحويل مالي مشبوه هيتراجع. مش هقدر أرجّع السنين اللي ضيعتها وأنا بثق فيك، لكن أقدر أمنعك من إنك تسرق باقي عمري.
حاول يعتذر، وقال إنه كان واقع تحت ضغط، وإن علاقته بإيمان بدأت كغلطة واتحولت لحاجة ما عرفش يوقفها.
قاطعته:
الغلط ممكن يحصل في لحظة ضعف، لكن سرقة ميراث أبويا، وشراء بيت لعلاقة غير شرعية، والتخطيط عشان تخلّص مني ومن حقوقي دي مش غلطة. دي قرارات أخدتها مرة ورا مرة.
قمت من مكاني، وسيبته قاعد قدام الأدلة اللي بنفسه ساهم في جمعها.
الطلاق ما كانش سهل، والإجراءات المالية أخدت وقت، لكني ما تنازلتش عن حقي. ومع مراجعة الحسابات، اتكشفت تحويلات ما كانش جلال متوقع إن حد يربط بينها وبين العقار اللي اشتراه لإيمان. وبدأت الإجراءات القانونية لاسترداد الأموال ومحاسبة المسؤولين عنها، بدل ما تضيع في صفقات وأوراق متشابكة.
إيمان خسرت البيت اللي كانت فاكرة إنه هيكون بداية حياتها الجديدة مع جلال، وجلال خسر صورته كرجل أمين، وخسر ثقتي اللي ما كانش يقدر يشتريها بكل فلوس الدنيا.
أما أمي، فلما عرفت الحقيقة كاملة، انهارت من الصدمة. ما كانش سهل عليها تصدق إن بنتها الصغيرة شاركت في أذى أختها، وإن الرجل اللي كانت بتعتبره نعمة من ربنا كان بيستغل ثقتنا كلنا.
ما طلبتش منها تختار بيني وبين إيمان. قلت لها إن كل واحدة فينا مسؤولة عن أفعالها، وإن المسامحة مش معناها إننا نرجع نسمح لنفس الناس يكسرونا تاني.
بعد شهور، رجعت لبيت أبي، وفتحت الشبابيك اللي كانت مقفولة من وقت ما جلال مشي. دخلت الشمس للصالون، ووقفت قدام صورته المعلقة فوق المدفأة.
افتكرت كلامه القديم عن الأمانة والثقة، وحسيت بدموعي بتنزل أخيرًا، مش من الوجع وحده، لكن من الراحة كمان.
كنت خسرت جوازي، وخسرت أختي بالشكل اللي كنت أعرفها بيه، وخسرت وهم إني كنت عايشة في أسرة مثالية.
لكنني ما خسرتش نفسي، ولا سبت ميراث أبويا يضيع من غير ما أدافع عنه.
وفي النهاية، فهمت إن أقسى غدر مش إن حد يحب شخصًا غيرك؛ أقسى غدر إن أقرب الناس ليك يحوّلوا ثقتك فيهم لسلاح ضدك، ويخططوا لسرقتك وهم بيبتسموا في وشك.
جلال وإيمان اعتقدوا إن هدوئي معناه إني ضعيفة، وإن طيبتي معناها إني مش هكتشف حقيقتهم.
لكنهم اتعلموا متأخر إن الهدوء مش دايمًا استسلام، وإن الإنسان ممكن يختار إنه ما ينتقمش بإيده، لكنه برضه يرفض تمامًا إنه يكون ضحية مرة تانية.
قفلت باب البيت ورايا في آخر يوم من الإجراءات، ومشيت من غير ما أبص للخلف.
المرة دي، ما كنتش بهرب من جلال، ولا من إيمان، ولا من الذكريات.
كنت أخيرًا بختار نفسي.
وانتهت الحكاية، مش لأنهم اتعاقبوا وبس، لكن لأن فريدة بطلت تستنى منهم اعترافًا أو ندمًا عشان تقدر تبدأ حياتها من جديد.
تمت بحمد الله.




