
جابرييل بص في عينيها لفترة طويلة. عينيه السودا الحادة كانت بتحاول تقرأ الست دي.. القوية، اللي ما اهتزتش قدام سلاح، ولا خافت من الموقف، ولا أخدت الكلام اللي اتقال عليها بعين الاعتبار، وأنقذت حياته في الوقت اللي أقرب الناس ليه كانوا بيأذوه.
— إنتِ مين بالظبط؟
جابرييل سألها بصوت واطي وخالي من أي تعالٍ. نورا ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً، ورفعت شنطتها على كتفها:
— أنا نورا بينيت.. الممرضة المحترفة.
جابرييل طلع محفظته الجلد وبص لها:
— شيك بمليون جنيه يرضيكي؟
نورا بصلته ببرود وقالت:
— أنا باخد حق شغلي بالجنيه والقرش.. مش جاية أبيع وأشتري فيك. أجري العادي مع زيادة الساعات والتغيير الجراحي، وتاخده الوكالة وتديني مستحقاتي.
جابرييل اندهش، ولأول مرة من سنين طويلة، تظهر على وشّه ابتسامة حقيقية. ابتسامة فيها إعجاب شديد واحترام.
— لو مشيتي دلوقتي، مين هيغيرلي على الجرح بالليل؟
جابرييل سألها وهو بيحط إيده في جيبه. نورا بصت لـ ساعة إيدها وقالت بثبات:
— نوبتي تخلص الساعة 8 الصبح. هاجي الساعة 8 بالليل عشان أغير على الجرح، وتكون ارتحت وخدت مضاد حيوي.
لفت عشان تمشي ناحية الأسانسير، بس جابرييل نادى عليها بصوت دافي:
— نورا.
لفت وبصلته:
— نعم؟
جابرييل بص لها بعيون حادة وقوية وقال:
— من النهاردة.. إنتِ الشخص الوحيد اللي مسموح له يدخل العمارة دي من غير استئذان.
نورا هزت رأسها بهدوء وقالت وهي بتفتح باب الأسانسير:
— نشوف الموضوع ده لما أجي بالليل يا سيد جابرييل.. سلام.
الساعة جات تمانية بالليل بالظبط. شارع النيل كان زحمة وأضواء العربيات منورة على المية، ونورا بينيت كانت طالعة في الأسانسير للدور الـ 58، ماسكة شنطتها الطبية الكبيرة في إيدها.
أول ما أبواب الأسانسير اتفتحت، لقيت الجو مختلف تماماً عن الصبح. المكان كان هادي، والهدوء ده مكانش هدوء خوف.. كان هدوء سيطرة. لوكا كان واقف عند الممر، أول ما شافها نزل إيده من على سلاحه وابتسم ابتسامة خفيفة فيها احترام واضح، ووسع لها الطريق من غير ما ينطق كلمة.
نورا مشيت بثبات ودخلت أوضة النوم الواسعة. جابرييل كان قاعد على الكنبة الجلد العريضة، لابس قميص أسود مفتوح أول زراير منه، قدامه لاب توب وأوراق شغل، وفي إيده كوباية قهوة سادة. أول ما شافها، قفل اللاب توب وحطه على الترابيزة.
— جيتي في معادك بالظبط.
الجاكيت:
— أنا ممرضة محترفة يا سيد جابرييل، والمواعيد عندي مش رفاهية. اقلع القميص واقعد على السرير عشان أغير على الجرح.
جابرييل قام وقف بالراحة. الحركة كانت أسهل كتير عن الصبح، وجسمه بدأ يسترد قوته وحيويته الطبيعية. قلع القميص وقعد على طرف السرير وداها ضهره. نورا لبست القفازات المعقمة، وبدأت تفك الرباط الضاغط والشاش بهدوء ومهارة. الجرح كان نضيف، التورم قل بنسبة كبيرة، واللون الأحمر الملتهب بدأ يروح.
— الحرارة كام الوقتي؟
جابرييل سأل وهو حاسس ببرودة المطهر على جلده.
— 37.1.. طبيعية جداً.
نورا ردت وهي بتطهر المكان بالراحة.
— والجرح التئم بشكل ممتاز. كمان يومين هنفك الخياطة.
جابرييل سكت لحظة، وبعدين قال وهو باصص قدامه:
— لوكا حكالي على اللي حصل إمبارح بالليل.. حكالي عن الكلام اللي اتقال عليكي قبل ما يمشي.
نورا ما وقفتش إيدها، وفضلت شغالة بثبات:
— الكلام ببلاش يا سيد جابرييل، والأشكال اللي زي دي مش بتاخد من وقتي ثانية تفكير.
جابرييل لف رقبته وبصلها بطرف عينه:
— بس الناس بتستغل طيبتك وقوتك ضدك.
نورا حطت الشاش الجديد وثبتته بالبلاستر الطبي، وبعدين قلعت القفازات ورمتها في الكيس. بصت في عينيه وقالت بوضوح:
— الناس بتحكم باللي شايفاه من برة لأن معندهاش عمق يفهموا بيه اللي جوة. أنا عارفة أنا مين، وعارفة أقيم نفسي كويس.
— ابن عمي والدكتور اتعاملوا.
جابرييل قالها ببرود وهو بيلبس قميصه.
— والشركة رجعت تحت سيطرتي الكاملة من العصر.
نورا لمّت حاجتها وحطتها في الشنطة:
— ده شأنك الخاص.. أنا يهمني صحتك وبس. بكره هاجي الساعة 8 الصبح عشان الجرعة الأخيرة من المضاد الحيوي، وبعدها نوبتي معاك تنتهي والوكالة تبعتلك ممرض للغيار العادي.
جابرييل وقف وقرب منها خطوتين، وطوله وهيبته مالية المكان، بس عينيه كان فيها نبرة رجاء دافية:
— أنا مش عايز ممرض تاني يا نورا.. أنا عايزك تمسكي الرعاية الطبية الخاصة بيا وبكل مؤسساتي، بالمرتب والتقدير اللي تحدديه.
نورا بصتله بابتسامة خفيفة، فيها كبرياء وكرامة:
— أنا بشتغل بالتعاقد وباحترامي. لما أخلص عقدي مع الوكالة، نبقى نتكلم في العروض.
شالت شنطتها على كتفها وبصتله بثبات:
— ارتاح كويس الليلة دي، وماتجهدش رجلك. تصبح على خير.
لفت ومشت ناحية الباب بثقة، وجابرييل فضّل واقف مكانه يراقب ظهرها وهو بيسحب نفس عميق، وابتسامة إعجاب حقيقية على وشّه. عرف إن الست دي دخلت حياته مش بس عشان تنقذ جسمه، لكن عشان تغير نظرته للحياة كلها.
مرّ أسبوعان. جرح جابرييل التأم تماماً، وفُكّت الخياطة الجراحية دون أي مضاعفات، ورجعت له قوته الكاملة وصار يتحرك في بنتهاوس شيكاغو بنفس الهيبة والشراسة السابقة، لكن بشيء واحد مختلف: نظراته وطريقة تفكيره.
خلال هذه الفترة، رفض جابرييل أي ممرض آخر، وأجبر الوكالة على تمديد عقد نورا بينيت بالمرتب الذي تطلبه، شرط أن تشرف هي بنفسها على متابعته الطبية. وفي ليلة هادئة من ليالي سبتمبر الباردة، كانت نورا تُنهي زيارتها الأخيرة للمراجعة النهائية. جمعت أدواتها وضعتها في الحقيبة الطبية، ثم أغلقتها بصوت دقة خفيفة.
— الجرح التأم تماماً، والتحاليل الأخيرة ممتازة.
قالت نورا وهي تقف وتعدل معطفها:
— من النهاردة، زياراتي الطبية انتهت يا سيد جابرييل.. مش محتاج ممرضة تاني.




