
نورا همست بتركيز. لوكا قرب وعينيه زادت اندهاش:
— يعني إيه؟ الدكتور قال إنهم نظفوا المكان ده!
— الدكتور حطله حاجة جوة!
نورا رفعت عينيها وبصت لـ لوكا بصلابة:
— جهاز صغير أو شريحة ضاغطة على الأعصاب! الجهاز ده هو اللي مأثر على حركته، وهو اللي عامل التهاب داخلي!
جابرييل وهو نايم على جنبه، فتح عين واحدة، وكان سامع كل كلمة. عينه جت في عين نورا، وفي اللحظة دي، الخوف تحول لشعلة غضب. نورا بصت لـ لوكا وقالت:
— قدامك حلين.. يا تجيبلي شنطة الطوارئ اللي في عربيتي فورًا عشان أتعامل مع الجرح ده وأطلع الأداة دي قبل ما الحالة تتدهور، يا تجهز نفسك للأسوأ!
لوكا اتصدم وبص لنورا بذهول:
— تفتحي الجرح؟! إنتِ ممرضة مش جراحة!
نورا بصتله بجمود:
— لو استنينا جراح، هيوصل هنا ويكون الوقت فات.. قدامك دقيقتين يا لوكا، هات الشنطة من عربيتي برة!
كلمة “فينسنت” والدكتور نزلت على لوكا.. فهم اللعبة في ثانية. من غير ولا كلمة زيادة، لوكا لف وجرى ناحية الأسانسير.
على السرير، جابرييل كان بيتنفس بصعوبة، بص لنورا بصوت محششر:
— إنتِ.. هتفتحي.. ضهري؟
نورا قربت منه:
— هطلع الأداة اللي زرعوها جوة جسمك. لو خايف، تقدر تطلب مني أقف.
جابرييل بصلها وسط ضباب الحمى:
— لو حاولتِ تؤذيني.. هعرف أجيبك.
نورا ابتسمت ابتسامة خفيفة وباردة:
— اتفقنا. بس استحمل الوجع.
باب الأسانسير اتفتح ورجع لوكا ومعاه الشنطة. نورا فتحتها بسرعة وطلعت الأدوات المعقمة والمشرط والمقص المخصص. لبست القفازات وبصت لـ لوكا:
— امسكه من أكتافه وثبته كويس جدًا!
لوكا نزل بركبه على السرير وثبّت أكتافه. نورا مسحت المنطقة بالمطهر، وبمسحة ثابتة وهادئة، فتحت الخياطة القديمة. جابرييل أطلق زئير وجع هز أركان المكان، وجسمه اتشنج بقوة.
— ثبته يا لوكا!
نورا صرخت بثبات وهي بتوسع الفتحة بالراحة. بدأت الإفرازات غير الطبيعية تخرج، وظهرت تحت الضوء حافة الشريحة المعدنية الغارزة مباشرة في النسج المحيطة بالعمود الفقري. نورا مسكت الجفت المعقم، وبسحبة واحدة سريعة ومحترفة، شدّت الشريحة برة!
جابرييل صرخ صرخة قوية وشهق نفس طويل، وبعدها جسمه ارتخى تماماً وفقد الوعي من شدة الألم.
لوكا كان بيتنفس بسرعة وعينيه متسعة وهو بيبص للشريحة:
— إيه.. إيه البتاع ده؟!
نورا رمت الشريحة جوة طبق معدني، وبدأت فوراً تنظف الجرح بالمحلول والمعقمات بمهارة:
— دي شريحة بتفرز مواد تؤثر على الأعصاب وتمنع الحركة.. الخيانة كانت متفصلة بعناية.
بعد نص ساعة، كانت نورا طهرت الجرح تماماً، وخاطته بخياطة تجميلية نظيفة، وحطت شاش معقم ورابط ضاغط. الهدوء رجع للمكان، ونفس جابرييل بدأ يهدى ويرجع منتظم، وحرارته بدأت تنزل تدريجياً.
نورا قلعت القفازات وبصت لـ لوكا:
— دلوقتي الحرارة هتنزل، وعقله هيصفى، والصبح هيقدر يحرك صوابع رجليه.
لوكا بلع ريقه:
— والشريحة دي هنعمل فيها إيه؟
نورا شالت الطبق المعدني وقالت ببرود:
— تحتفظ بيها.. لأن ابن عمه والدكتور أدريان أكيد جايين الصبح يطمنوا.. وهتبقى مفاجأة لما يلاقوه استناهم على رجليه!
فينسنت بلع ريقه بصعوبة، وخطوة واحدة رجعها لورا ووشه متغرق عرق بارد:
— جـ.. جابرييل؟! إنت.. إنت قمت إزاي؟!
جابرييل وقف على رجليه بالراحة. كان طوله وهيبته كافية تسد الأوضة كلها. كل خطوة كان بيمشيها ناحيتهم كانت طالعة بثبات ورزانة تخلي الركب تتسحب منها القوة.
الدكتور أدريان كان بيترعش لدرجة إن نظارته اتزحلقت على مناخيره، وبص لـ لوكا يستنجد بيه، بس لوكا وقف وراهم عند الباب وقفل الطريق تماماً، وإيده على مسدسه.
— كنت فاكر إنك أذكى من كده يا فينسنت.
جابرييل قالها بصوت هادي جدًا.. هدوء يسبق العاصفة. قرب منهم ورمى الشريحة المعدنية على أرضية الرخام تحت رجلين فينسنت. رنّتها كانت زي صوت رصاصة في الأوضة المقفولة.
— شريحة تأثير على الأعصاب وتلاعب طبي؟
جابرييل بص للدكتور أدريان، وفجأة إيده الضخمة انطلقت وزقّته من رقابته لفوق، زنقه على الحيطة لدرجة إن طراطيف جزمته بقت طايرة في الهواء!
الدكتور بدأ يخنق ويتكتك:
— أنا.. أنا مليش دعوة! هو.. هو اللي دفعلي! فينسنت هو اللي جاب الشريحة وطلب مني أزرعها!
فينسنت أخد خطوة تانية ورا وصرخ برعب:
— كداب! هو اللي اقتَرَح الفكرة! قال إن الجرح هيبان طبيعي والتسمم هيتاخد على إنه حمى طوارئ!
جابرييل ساب الدكتور فوقع على الأرض يكَحّ ويلهث من التعب. لف جابرييل لـ فينسنت، وعينيه أعمق وأقسى من أي وقت فات:
— كنت فاكر لما تتخلص مني بالبطيء هتاخد الشركة والبنتهاوس وتعيش ملك؟
فينسنت نزل على ركبه بقلة حيلة، وجسمه كله بيترعش:
— سامحني يا جابرييل! الشيطان دخل بيننا.. أنا.. أنا دمك!
— الدم اللي يخون.. مصيره المحاسبة الحقيقية يا فينسنت.
جابرييل قالها من غير ما يرمش. بص لـ لوكا وقال بنبرة حاسمة:
— خد الاتنين دول.. وديهم المزرعة القديمة في الفيوم. لحد ما أفضالهم وأعرف مين تاني في المجلس كان متواطئ معاهم.
لوكا شد فينسنت من ياقة بدلته وبص للدكتور بنظرة حادة:
— قوم قدامي.. الحركة الجاية هتكلفكم كتير.
أول ما لوكا أخد الاتنين وخرج بيهم على الأسانسير، الأوضة رجعت هادية تماماً. جابرييل أخد نفس عميق، وقف يبص للشباك لحظة، وبعدين لف رقبته وبص لباب الأوضة المفتوح سنة صغيرة.
— تقدر تخرجي يا نورا.
قالها بنبرة هديت تماماً وتغيرت 180 درجة. نورا فتحت الباب وخرجت بثبات، ماسكة شنطتها الطبية في إيدها. مكانش على وشها أي مظاهر خضة أو اندهاش، وكأن اللي حصل ده جزء طبيعي من يومها. قربت منه وبصت لرجليها بثقة:
— مشيت كويس، بس الحركة الكتير دلوقتي غلط. الجرح لسة متخيط ولازم تتغير عليه كل 12 ساعة.




