روايات وقصص

بعد ما خرجنا من المسجد

وبعدين كبّر الصورة. أنا قربت أشوف، ولما شفت اللي ظاهر في خلفية الصورة حسيت إن رجلي مش شايلاني؛ لأن الشخص اللي كان واقف جنب نجوى قبل كتب الكتاب ما كانش من أهل العريس، وكان ماسك في إيده نفس الورقة اللي كانت جوه الظرف.

جوزي بص للصورة، وبعدين بص لأمه وقال بصوت مبحوح: “إنتِ كنتِ بتقابليه قبل كتب الكتاب ليه؟”

نجوى فتحت بقها عشان ترد، لكن قبل ما تتكلم رن موبايل أمي. بصت للشاشة، وشها اتغير لأول مرة وقالت: “هو وصل.”

جوزي سأل: “مين؟”

أمي قفلت الموبايل وبصت ناحية باب المسجد وقالت: “الشخص الوحيد اللي يقدر يفسّر لكم كل اللي حصل.”

باب المسجد كان لسه مفتوح، والناس كلها بدأت تبص ناحية الشارع. أنا كنت واقفة جنب أمي مش فاهمة حاجة، أما جوزي فكان ماسك الورقة بإيده وعينه مثبتة على الباب.

وفجأة دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة وماشي بخطوات هادية. أول ما نجوى شافته اتراجعت خطوة وهمست: “إنت؟!”

الراجل وقف قدامها وقال: “أيوه أنا.”

جوزي بص له باستغراب: “ماما، إنتِ تعرفيه؟”

نجوى ما ردتش، فالراجل بص لجوزي وقال: “أنا مش جاي أفسد فرحتك يا ابني، أنا جاي عشان ما تبدأش حياتك على حاجة مش كاملة.”

أمي قالت: “قول له الحقيقة.”

الراجل سكت ثواني، ثم طلع من جيبه ملف صغير وحطه على أقرب ترابيزة وقال: “من سبعتاشر سنة، والدتك كانت طرف في موضوع كبير، والموضوع ده رجع يظهر من جديد من كام أسبوع.”

جوزي عقد حواجبه: “موضوع إيه؟”

فتح الملف وطلع منه صورة قديمة ومدها له. جوزي أخد الصورة وبص فيها، وبعدين وشه شحب: “دي أمي؟”

الراجل هز راسه: “أيوه.”

نجوى صرخت: “كفاية! متكملش!”

كل الناس اتصدمت، وأمي قالت بهدوء: “دلوقتي بقى لازم تكمل.”

الراجل بص لنجوى وقال: “إنتِ كنتِ فاكرة إن الورق القديم اختفى، لكن نسخة منه وصلت لينا من شهر.”

جوزي قرب منه: “أنا عايز أفهم، أمي عملت إيه؟”

الراجل فتح صفحة من الملف وقال: “الحكاية مش عن خيانة، ولا عن جواز تاني، ولا عن أي حاجة من اللي الناس ممكن تفكر فيها.”

نجوى تنفست براحة للحظة، لكن الراجل كمل: “الحكاية عن حق اتاخد من صاحبه، وطفل اتسجل باسم شخص مش هو والده.”

أنا شهقت، وجوزي بص له بعدم تصديق: “طفل؟”

الراجل قال: “أيوه.” ثم بص ناحية أمي وعشان كده والدتك طلبت مني أحضر النهارده.

جوزي لف لأمي بسرعة: “إنتِ كنتِ عارفة؟”

أمي هزت راسها: “عرفت من كام أسبوع بس.”

“طب ليه ما قولتيليش؟”

أمي بصتلي بحزن: “لأن بنتي كانت داخلة على كتب كتاب وأنا ما كنتش عايزة أهد فرحتها بكلام من غير دليل.”

نجوى فجأة خطفت الملف من إيد الراجل وفتحت صفحاته بسرعة لحد ما وقفت عند ورقة معينة اتغير فيها وشها وقالت: “الورقة دي مش المفروض تكون موجودة.”

جوزي سمعها: “يعني إنتِ عارفة الورقة؟”

نجوى سكتت.

“ماما ردي عليا.”

رفعت عينيها له وقالت بصوت منخفض: “أنا كنت بحاول أحميك.”

“تحميني من إيه؟”

ما ردتش. وفي اللحظة دي، الراجل أخرج ظرفًا أبيض جديدًا من الملف وقال: “لسه أهم حاجة ما اتقالتش.”

مد الظرف لجوزي: “التحليل ده اتعمل من أسبوع.”

جوزي فتحه وقرأ أول سطر، وبمجرد ما خلص القراءة وقع الظرف من إيده. بص لأمه وبصلي وقال: “يعني طول السنين دي أنا كنت فاهم الحقيقة غلط؟”

نجوى بدأت تبكي، ولكن قبل ما حد يسألها، سمعنا صوت طفل صغير من عند باب المسجد بيولول: “تيتا نجوى؟”

كلنا لفينا، طفل حوالي عشر سنين كان واقف هناك ماسك إيد راجل كبير. نجوى أول ما شافته حطت إيدها على قلبها وقالت: “يا نهار أبيض…”

أما الراجل الكبير فبص لجوزي مباشرة وقال: “أنا أبوك الحقيقي.”

القاعة كلها اتجمدت. حتى الطفل نفسه بص للراجل اللي ماسك إيده وبعدين بص لنجوى وكأنه مش فاهم ليه كل الناس فجأة سكتت.

جوزي فضل واقف مكانه ووشه أبيض خالص وقال بصوت متقطع: “إنت أبويا؟”

الراجل هز راسه: “أيوه.”

نجوى اندفعت ناحيته: “إنت مالكش حق تيجي هنا!”

الراجل رد بهدوء: “عندي كل الحق.”

جوزي رفع إيده يمنعهم من الكلام وقال: “محدش يتكلم، أنا عايز أفهم.” وبص للراجل: “لو إنت أبويا، أمال الراجل اللي أنا طول عمري بناديه بابا كان مين؟”

الراجل سكت لحظة وبعدين قال: “كان راجل محترم ربّاك، وشالك على كتفه، وعمره ما فرق بينك وبين أولاده.”

نجوى بدأت تبكي: “أنا عملت اللي عملته عشان ما أخسرش ابني.”

أمي ردت عليها: “إنتِ ما حميتيش ابنك يا نجوى، إنتِ حرمتيه من الحقيقة.”

جوزي بص لأمه: “من إمتى وإنتِ عارفة؟”

نجوى ما ردتش.

“من إمتى؟!”

قالتها وهي بتبكي: “من يوم ما كان عنده خمس سنين.”

الجملة نزلت عليه كأنها صدمة، فقعد على أقرب كرسي.

أنا قربت منه لكني وقفت قبل ما ألمسه، كان واضح إنه محتاج يستوعب اللي بيسمعه.

فجأة الرجل الكبير قال: “وفي حاجة تانية لازم تعرفها.”

جوزي رفع عينه: “إيه؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى