روايات وقصص

بعد ما خرجنا من المسجد

بعد ما خرجنا من المسجد، ولسه مخلصين كتب كتابنا، وجوزي بدل ما يشيلني أنا عروسته انحنى وشال أمه قدام الناس كلها! قال بمنتهى البساطة: “هي نفسها تعيش اللحظة دي، ما هي اللي ربتني.”

لكن اللي حصل بعدها خلّى الفرح كله يسكت، ووشوش الناس تتغير في لحظة واحدة. أنا كنت عارفة إن حماتي نجوى بتحب تبقى محور كل حاجة، بس عمري ما تخيلت إنها ممكن تحوّل يوم كتب كتابي للعرض الخاص بيها!

نجوى عندها موهبة غريبة إنها تخلي أي مناسبة تخصها هي؛ عيد ميلاد لازم هي اللي تتكلم، عزومة لازم كل الناس تسمع حكاياتها، حتى القعدة العائلية الكلام لازم يرجع لها. وطبعًا يوم كتب كتابي ما استثنتش نفسها؛ من أول ما دخلنا وهي بتدخل في كل حاجة، تقاطع المصور وتعدل الكادر، وتتنهد بصوت عالي لحد ما الناس بدأت تبص باستغراب، ولما الشيخ كان بيكمل إجراءات كتب الكتاب لقيتها بتقاطعه وتصحح له!

كنت بقول لنفسي عدّي اليوم ده بس، بس كنت غلطانة. لما خرجنا من باب المسجد، وأهلنا وأصحابنا واقفين والمصورين جاهزين، فجأة نجوى مسكت دراع ابنها وقالت بصوت عالي: “يا حبيبي إنت عارف إني عمري ما عشت فرحة زي دي؟”

بصلها جوزي بإحراج وقال: “ماما، مش وقت الكلام ده دلوقتي.”

لكنها قربت منه وقالت: “أنا شلتك تسع شهور يا ابني، سهرت عليك وأنت تعبان، وكل وجع وكل كابوس أنا اللي كنت جنبك… مش هي.”

سكتت لحظة وكملت: “أنا ولو مرة واحدة بس، نفسي أحس إني العروسة.”

حسيت إن كل العيون اتحولت علينا، والموبايلات اترفعت، والمصور بدأ يصور. نجوى قربت من ودن جوزي وقالت له حاجة بصوت واطي ما سمعتهاش، بس شفت تأثيره عليه؛ بصلي وبان على وشه التردد، ومن غير ما يقول حاجه، انحنى وشال أمه بين إيديه!

الناس اتخضت، وأنا فضلت واقفة مكاني بفستان كتب كتابي. قال لي وهو مش قادر يبص في عيني: “معلش يا حبيبتي هي بتزعل أوي لما أقول لها لأ، إنتِ عارفة ماما عاملة إزاي، هجيلك بعدين وأشيلك، بس بالله عليكي ما تعمليش مشكلة.”

ما قدرتش أرد. نجوى كانت متعلقة في رقبته ووشها كله ابتسامة بتلعب قدام الكاميرات وهي بتقول بصوت عالي: “بصوا ابني! شوفوا الراجل اللي أنا ربيته!”

في اللحظة دي حسيت إني مش موجودة؛ أنا العروسة، لكن واقفة لوحدي.

وفجأة حسيت بإيد على كتفي. لفيت، كانت أمي. ما صرختش، وما عملتش خناقة، ولا قالت كلمة واحدة، بس بصتلي بنظرة فهمت منها كل حاجة. قربت مني، وعدّلت طرحة فستاني بإيدها في هدوء، وقفت جنبي، وبصت على الناس اللي واقفة، وبعدها عملت حاجة صغيرة جدًا لكنها كانت مقصودة وفي ثانية واحدة المكان كله اتقلب.

واحد من الضيوف شهق بصوت عالي، الكاميرات وقفت، والناس سكتت، وحتى جوزي ونجوى وشهم اتغير تمامًا. ولأول مرة من بداية اليوم، نجوى ما لقتش حاجة تقولها.

أما أنا ففضلت باصة لأمي وأنا مش مصدقة، لأن أمي ما كانتش جاية تعمل خناقة، كانت جاية تفكّرهم كلهم مين فعلًا يستحق يكون بطل اليوم.

أمي ما اتحركتش من مكاني، فضلت واقفة جنبي وإيدها لسه على كتفي، وبصت ناحية جوزي ونجوى وببهدوء شديد قالت: “مبروك يا ابني.”

جوزي ابتسم ابتسامة متوترة ولسه هيحط أمه على الأرض، لكن أمي كملت: “بس قبل ما تكملوا الفرح أنا عندي حاجة لازم تتقال قدام الكل.”

نجوى اتغير لون وشها وقالت بسرعة: “حاجة إيه يا أختي؟ هو ده وقت كلام؟”

أمي ما ردتش، فتحت شنطتها الصغيرة وطلعت منها ظرف بني قديم. أول ما جوزي شاف الظرف، وشه اتجمد وقرب خطوة وقال: “إيه ده؟”

أمي بصتله وقالت: “ده اللي كان المفروض يتفتح قبل كتب الكتاب، بس أنا احترمت رغبة بنتي وسكت.”

أنا بصيت لأمي باستغراب: “ماما إنتِ بتتكلمي عن إيه؟”

مدت الظرف ناحيتي، لكن قبل ما آخده، نجوى اندفعت ناحيتنا وقالت: “إنتِ مش هتفتحي الظرف ده!”

المكان كله سكت. أمي لأول مرة رفعت عينيها عليها وقالت: “ليه؟”

نجوى بلعت ريقها وقالت: “لأنه مش من حقك تفتحي حاجات تخص ابني.”

أمي ابتسمت ابتسامة هادية: “أنا ما قلتش إنه يخص ابنك.”

نجوى توترت: “أمال يخص مين؟”

أمي بصتلي وقالت: “يخص بنتي ويخص مستقبلها.”

جوزي قرب من أمه وقال: “ماما، إنتِ تعرفي حاجة عن الظرف ده؟”

نجوى سكتت، والسؤال ده لوحده خلّى الهمس ينتشر بين الناس. أخدت الظرف بإيد مرتعشة، كان عليه اسمي وتحت اسمي تاريخ مكتوب بخط إيد أمي، ولما قلبته من الخلف لقيت ختم أحمر صغير لجهة رسمية.

قلبي بدأ يدق بسرعة، بصيت لأمي: “هو إيه ده؟”

قالت: “افتحيه.”

فتحت الظرف ببطء وطلعت ورقة واحدة. قرأت أول سطر واتسممرت مكاني؛ لأن الورقة ما كانتش عقدًا ولا شكوى ولا ورقة طلاق، كانت مستندًا يثبت إن فيه حاجة حصلت قبل كتب الكتاب بأيام، وحماتي كانت عارفاها كويس لكنها أخفتها عن ابنها.

رفعت عيني ناحية نجوى اللي كانت واقفة من غير ما تنطق، وجوزي بص لها وقال: “ماما، إيه اللي مكتوب في الورقة؟”

نجوى بدأت تتراجع خطوة: “ما تصدقش الكلام ده يا ابني.”

أمي ردت بهدوء: “خليه هو اللي يقرأ.”

جوزي مد إيده وأخد الورقة مني، قرأ السطر الأول والتاني، وفجأة وشه اتغير ورفع عينيه ناحية أمه: “إنتِ عملتي كده؟”

نجوى ما ردتش.

“ماما ردي عليا!”

لكنها فضلت ساكتة.

وفي اللحظة دي، المصور اللي كان واقف بعيد قرب مننا وقال بصوت منخفض: “لو سمحتم، في حاجة لازم تعرفوها.”

الكل بصله، فتح الكاميرا بتاعته وورانا صورة كان التقطها قبل كتب الكتاب بدقائق وقال: “أنا صورت الصورة دي بالصدفة ومكنتش فاهم معناها وقتها.”

السابق1 من 9
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى