روايات وقصص

شقة الزوجة

الكل اتصدم. نوال سكتت فجأة، وهاجر فتحت بؤها برعب.

سلمى طلعت موبايلها، وشغلت تسجيل مكالمة… المكالمة اللي جمعتها مع مدير الشؤون القانونية في شركتها بعد ما خرجت من كافيه حسام الصبح، واللي فيها إثبات إنها بلغت عن محاولة سرقة وتسريب ملف المناقصة قبل الحادثة بساعتين، وإنها كانت رايحة تسحب فلوسها وتثبت الواقعة في مباحث الأموال العامة!

وفوق ده… طلعت صور سكرين شوت رسايل موبايل ياسر ورسايل حماتها اللي كانت مصوراها الفجر:

«خلاص، هي شكت في الموضوع… نفّذ اللي اتفقنا عليه قبل ما تغيّر رأيها.»

«ومتقولهاش إن الفلوس اللي في الحساب مش كلها فلوسكم.»

الظابط بص في شاشة الموبايل، وعينه اتسعت وهو بيقرا الرسائل. بص لنوال اللي رجعت خطوتين لورا وركبتها بتخبط في بعض:

— «يعني الحكاية فيها غسيل أموال، ورشوة، وابتزاز، وتزوير؟»

حسام فجأة كسر صمته، وقال بصوت عالي:

— «أنا شاهد يا فندم على كل كلمة سلمى بتقولها! ياسر كان مضغوط عليه بشيكات من رؤوف التهامي، وأمه هي اللي رسمت الخطة دي كلها عشان يسرقوا فلوس سلمى وشقاها، ويسربوا ورق شركتها ويسجلوا الشقة التانية باسم مراتي هاجر كغطا!»

هاجر صرخت في وش جوزها: «حسام إنت بتبيعنا؟!»

حسام رد عليها بقرف:

— «أنا مابيعتش حد! إنتوا اللي غرقانين في الطمع وعايزين تجرجرونا معاكم للمشانق!»

في اللحظة دي، فتح الممرض باب الرعاية، وخرج الدكتور:

— «المريض فاق، وتقدروا تشوفوه دقيقة واحدة بس.»

الظابط أشار لأمناء الشرطة يفضلوا واقفين على الباب ويتحفظوا على نوال وهاجر، وسمح لسلمى تدخل معاه.

الأوضة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت أجهزة النبض البطيئة. ياسر كان نايم على السرير، وشه مليان كدمات ودماغه ملفوفة بشاش، وإيده متجبسة.

أول ما فتح عينه وشاف سلمى داخلة ومعاها الظابط، الدموع نزلت من عينيه، وحاول يتكلم بصوت مبحوح:

— «سـ… سلمى…»

سلمى وقفت عند رجلين السرير. ما عيطتش، ولا حتى رفعت حاجب. كانت باردة كأنها بتبص لتمثال حجر.

— «سلمى… سامحيني… رؤوف كان هيدمرني، كان هيحبسني… والله كنت بحاول ألاقي مخرج…»

سلمى قطعت كلامه بنبرة هادية بس كانت أقوى من أي زعيق:

— «المخرج اللي فكرت فيه… كان إنك تدوس عليا؟ المخرج إنك تاخد خمسمية ألف جنيه عمولة رشوة عشان تدبسني في قضية تزوير وخيانة أمانة لشركتي؟ المخرج إنك تاخد نصيبي وشقايا في الحساب البنكي عشان تشتري بيه سكوت أختك وتسجل لها شقة باسمها؟»

ياسر غمض عينه وبكى بقهر:

— «أمي هي اللي قالتلي… أمي قالتلي سلمى بتحبك وهتسامحك ومش هترضى بيتك يتخرب…»

ابتسمت سلمى بمرارة تكسر الضهر:

— «أمك ما خربتش بيتي يا ياسر… أمك كشفتلي بس إن ما كانش فيه بيت من الأساس. كان فيه مصيدة وأنا كنت الفريسة.»

بصت للظابط اللي كان واقف بيسجل كل حرف على محضر رسمي:

— «يا فندم، أنا بقدم بلاغ رسمي بتهمة التزوير واستغلال اسمي وخيانة الأمانة ضد المدعو ياسر كامل والمدعو رؤوف التهامي وكل من حرضهم.»

ياسر صرخ بضعف: «لأ يا سلمى! أرجوكي… بلاش سجن! أنا جوزك!»

سلمى لفت ضهرها ومشيت ناحية الباب، ووقفت لثانية واحدة من غير ما تبص وراه:

— «كنت جوزي… لحد النهاردة الصبح. دلوقتي إنت مجرد متهم في النيابة العامة.»

بعد تلات شهور… الشمس كانت طالعة دافية وبتنور صالة شقة سلمى القديمة، نفس الشقة الصغيرة أم أوضتين وصالة اللي بدأت منها حياتها.

الهدوء كان مالي المكان، كوباية الشاي بالنعناع في إيدها، وعلى الترابيزة قدامها شهادة الطلاق الرسمية من المحكمة.

الحساب المشترك اتقفل بحكم قضائي؛ سلمى استردت كل مليم من شقاها، والفلوس التانية المشبوهة اتصادرت لحساب قضايا الأموال العامة.

رؤوف التهامي اتقبض عليه في فضيحة فساد هزت سوق العقارات بعد ما اعترف عليه ياسر وقدّم كل الشيكات، وياسر صدر ضده حكم بالحبس مع النفاذ في قضايا الرشوة والشيكات والتزوير، وخرج من حياتها مدان وخسران كل شيء… صحته، وسمعته، ومستقبله.

أما نوال وهاجر، فانعزلوا في بيتهم بعد ما حسام رفع قضية طلاق على هاجر وطردها من حياته، وبقوا عايشين في خزي الفضيحة اللي خططوا لها بأيديهم.

سلمى شربت بؤ من الشاي، وبصت في مراية الصالة. شافت في عيونها ست تانية خالص… ست مرت بعاصفة غدر كانت كفيلة تهد جبال، بس خرجت منها واقفة على رجليها، حرة، عزيزة النفس، وعارفة إن أغلى ما يملكه البني آدم مش شقة في برج عالي، ولا رصيد بنكي كبير… أغلى ما يملكه هو كرامته، وإن عمره وشقاه ما يدخلش في مزاد عيلة فاكرة إن «حقوق الناس» مجرد اقتراح على سفرة عشا.

— تمت —

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى