
سلمى اتصلت بحسام.
— «ألو، إزيك يا حسام.»
حسام صوته كان متلجلج: «أهلاً يا سلمى، خير؟»
— «عايزة أقابلك نص ساعة، في كافيه جنب شغلك.»
— «ياسر عارف؟»
— «لأ، والموضوع يخص كلام امبارح.»
سكت حسام ثانيتين، وبعدين قال: «تمام، مستنيكي كمان نص ساعة.»
في الكافيه، حسام كان قاعد ماسك كوباية القهوة بإيدين متوترة، عينه رايحة جاية على الباب. سلمى قعدت قدامه، وحطت شنطتها على الترابيزة.
— «أنا مش هلف وأدور يا حسام… إنت امبارح قولت إن الموضوع مش صح. إنت عارف إيه وأنا معرفوش؟»
حسام اتنهد، وبص حواليه وقال بصوت واطي:
— «يا سلمى، أنا امبارح اتفاجئت زيي زيك بالكلام على السفرة… بس هاجر كانت ملمحة لي من أسبوع إن في فلوس هتدخل باسمها.»
— «فلوس إيه؟»
— «هاجر جالها عرض إنها تشتري شقة من شركة عقارات كبيرة بخصم موظفين أو بتسهيلات غريبة… بس باسمها هي، عشان الشركة ما تسجلهاش باسم حد تاني.»
سلمى ضيقت عينيها: «اسم الشركة إيه؟»
— «مجموعة التهامي للاستثمار.»
الصفعة نزلت على عقل سلمى. رؤوف التهامي! نفس الراجل.
سلمى سألت بحدة: «وليه هاجر بالذات؟ هاجر لا شغالة في عقارات ولا علاقة لها برؤوف!»
حسام قرب من الترابيزة وقال بصوت أشبه بالهمس:
— «عشان ياسر عليه شيكات لرؤوف التهامي يا سلمى!»
سلمى حست بدوخة: «شيكات بإيه؟»
— «ياسر كان داخل في بيعة أراضي معاه وخسر، ورؤوف كان هيرفع عليه قواضي ويسجنه… بس الأسبوع اللي فات، حماتك دخلت في الموضوع، وياسر اتفق مع رؤوف على تسوية.»
— «تسوية إيه؟»
— «إن رؤوف يسقط الشيكات، ويديهم شقة بسعر رمزي كعمولة، بس بشرط… الشقة تتسجل باسم حد بعيد عن ياسر، وفي نفس الوقت…»
حسام سكت، وبص لسلمى بتردد. سلمى قلبها وجعها: «في نفس الوقت إيه يا حسام؟ انطق!»
— «في نفس الوقت في ورق عندك في شركتك… رؤوف عايزه يخرج من تحت إيدك إنتِ بالذات. تسريب مناقصة لمشروع العاصمة الجديدة. وياسر وعدهم إنه هيخليكي تمضي على استلام ملفات وتعديها من غير مراجعة!»
سلمى قعدت مصلوبة مكانها. الهوا خلص من حواليها. يعني الموضوع مش مجرد حماتها طمعانة في شقة لأخت جوزها! الموضوع إن جوزها، اللي بقالها خمس سنين بتقتسم معاه اللقمة والجنيه، كان بيخطط يورطها في قضية فساد وتزوير عشان يسدد ديونه! وكانوا عايزين ياخدوا شقا عمرها في الحساب البنكي عشان يدفعوا مقدم للشقة التانية اللي هتكون مكافأة السكوت… وباسم أخته!
سلمى طلعت تليفونها، وأيدها بطلت ترتعش فجأة. الرعشة اتبدلت ببرود غريب، البرود اللي بيجي للواحد لما يعرف إنه خلاص… خسر كل حاجة وما بقاش عنده حاجة يخاف عليها.
فتحت شات ياسر، وكتبت له رسالة واحدة:
«أنا في البنك دلوقتي بسحب نصيبي من الحساب المشترك… ورؤوف التهامي مستنيك في مكتبه عشان يبلغك إن الصفقة باظت.»
وقبل ما تدوس إرسال… تليفونها رن برقم نوال، حماتها.
ردت سلمى بهدوء: «ألو.»
صوت نوال كان كله زعيق ورعب وراها صوت دوشة في البيت:
— «سلمى! إلحقيني يا سلمى… ياسر عمل حادثة بالعربية والبوليس هناك وواخدينه على المستشفى، ومعاه ورق غريب باسمك!»
الشارع اللي قدام المستشفى كان مقلوب، صوت سارينات الإسعاف مع نور العربيات بيضرب في عيون سلمى زي كشافات التحقيق.
جريت في الممر الطويل، ريحة المطهرات والدموية خانقة الهوا. على باب الرعاية المركزة، كانت نوال قاعدة على الأرض بتلطم وبتصرخ، وهاجر جنبها منهارة، وحسام واقف بعيد وساند ضهره على الحيطة ووشه شاحب زي الأموات.
أول ما نوال شافت سلمى، قامت وقفت وهجمت عليها ومسكت في هدومها:
— «الحقينا يا سلمى! ابنك هيروح في داهية! البوليس مش عايز يسيبنا في حالنا، وعايزين يلبسوه مصيبة!»
سلمى شالت إيد حماتها عنها ببرود غريب، ملامحها ما كانش فيها ذرة شفقة:
— «ياسر حصله إيه؟»
هاجر ردت وهي بتعيط بنحيب:
— «عنده كسر في الحوض وارتجاج، بس المشكلة مش في الحادثة… العربية اتقلبت بيه بعد ما عربية جيب سودة زنقت عليه على طريق المحور وطيرته، وجريت!»
سلمى بصت لحسام، حسام رمش بعينه وبص في الأرض…
رؤوف التهامي مالحقش يستنى لما الصفقة تتم بهدوء، رؤوف كان عايز يخلص من ياسر وياخد الورق!
قبل ما سلمى تنطق، قرب منهم ظابط شرطة برتبة رائد، معاه اتنين أمناء شرطة وماسك في إيده دوسيه بلاستيك متغطي بدم خفيف.
الظابط بص في الوجوه وقال بحزم:
— «مين فيكم سلمى عبد الرحمن؟»
سلمى خطت خطوة لقدام:
— «أنا يا فندم.»
الظابط تفحصها بنظرة حادة، ورفع الدوسيه:
— «جوزك كان شايل في عربيته مستندات تخص مناقصة مشروع حكومي سري لشركة مقاولات اسمها (التهامي)، والمستندات دي عليها أختام مسروقة من شركتك، وإقرار استلام منسوب ليكي وممضي باسمك! غير شيكات بدون رصيد بالملايين.»
نوال صرخت وقطعت كلام الظابط:
— «يا بيه دي شقاوتهم، دي سلمى هي اللي شغالة هناك وهو كان رايح يوصل لها الورق بس! سلمى هي المسؤولة عن شغلها يا بيه، ابني ملوش دعوة!»
الكلمة نزلت زي الرصاص. حماتها، في أقصى لحظة انهيار لابنها، ما فكرتش غير في حاجة واحدة: ترمي سلمى في وش المدفع، وتلبّسها هي القضية عشان تخرج ابنها بريء!
سلمى بصت لنوال بنظرة واحدة كانت كفيلة تسكتها، نظرة بنت بتموت فيها آخر ذرة عشرة.
سلمى قربت من الظابط، وفتحت شنطتها بهدوء وثبات يدرّس:
— «يا فندم… الإقرار ده مزور، وتوقيعي عليه مش توقيعي، وتقدر تبعته حالا لمضاهاة الخطوط في الأدلة الجنائية. والأهم من ده… اتفضل حضرتك أسمع التسجيل ده.»




