
تاني يوم الصبح، سعاد اتصلت. ندى ما ردتش. بعدها أحمد. ما ردتش. بعدها محمود. عملتله حظر. لكن حوالي الساعة 11، جرس الباب رن. أبو ندى فتح. لقى أحمد واقف لوحده: “عايز ندى.” أبوها بصله ببرود: “ليه؟” قال: “عايز أتكلم معاها خمس دقايق.” ندى سمعت صوته وخرجت. أول ما شافها قال: “ممكن نتكلم لوحدنا؟” قالت: “لأ. اتكلم هنا.”
أحمد بص لأبوها وأمها، لكنه في الآخر وافق: “اللي حصل امبارح غلط.” ندى عقدت إيديها: “إيه اللي غلط تحديدًا؟” قال: “موضوع العربية.” سألته: “بس؟” سكت. ندى فتحت موبايلها: “طب والتحويلات دي؟” ورته الشاشة. وش أحمد اتغير: “تحويلات إيه؟” قالت: “117 ألف جنيه اتحولوا لمحمود على فترات من حسابي.” أحمد مسك الموبايل. فضل يبص للأرقام: “أنا ماعرفش حاجة عنهم.” ندى ضحكت: “غريبة.” قال: “والله ما أعرف!” قالت: “يعني أمك كانت بتحول فلوسي لأخوك وإنت ماتعرفش؟” قال: “ندى، أنا فعلًا ماعرفش.”
المرة دي كان شكله صادق. لكن بالنسبة لندى، ده ماكانش أحسن. بالعكس. كان أسوأ. قالتله: “عارف المشكلة إيه يا أحمد؟” سأل: “إيه؟” قالت: “إنك أربع سنين كنت عايش معايا في نفس البيت، وأمك كانت بتتحكم في مرتبي، وأخوك بياخد منه، وإنت ولا عارف ولا مهتم.” قال: “أنا كنت فاكر أمي بتحوشهالنا.” قالت: “وأنا كنت فاكرة إن جوزي هيحميني.” الجملة وجعته. ندى كملت: “إحنا ماطلقناش عشان أمك بس. أمال عشان إيه؟” سأل: “إيه؟” قالت: “عشان إنت عمرك ما كنت واقف جنبي.” سكت أحمد.
ندى أخدت الموبايل من إيده: “عندك 48 ساعة.” رفع عينه: “48 ساعة لإيه؟” قالت: “الـ258 ألف جنيه يرجعوا الحساب.” قال: “ولو مرجعوش؟” ندى بصتله بثبات: “ساعتها هبدأ إجراءات قانونية، وهقدم كشوف الحساب وكل التحويلات.” أحمد اتوتر: “ندى، بلاش ندخل محاكم بينا.” قالت: “بينا انتهت امبارح.” وقبل ما يمشي، قالتله: “وعلى فكرة… محاولة دفع 258 ألف بالعربية متسجلة برضه.”
أحمد بص لها لحظات. وبعدين مشي. أول ما رجع البيت، دخل على أمه مباشرة. سعاد كانت قاعدة مع محمود وبتتكلم بعصبية عن ندى. أحمد رمى موبايله قدامهم: “فين الـ258 ألف جنيه؟” محمود اتجمد. سعاد قالت بسرعة: “فلوس إيه؟” قال: “التحويلات اللي خرجت من حساب ندى وراحت لمحمود.” محمود بص لأمه. النظرة دي لوحدها قالت كل حاجة. أحمد قرب منه: “أخدتهم في إيه؟” محمود اتعصب: “ماخدتش حاجة من حد! ماما هي اللي كانت بتديني.” سأله: “وإنت عارف إنهم فلوس ندى؟” قال: “وإيه يعني؟ كانت مراتك!” أحمد مسكه من قميصه: “كانت مراتي، مش ماكينة فلوس للعيلة!” سعاد قامت بسرعة وفصلت بينهم: “إنت اتجننت؟ هتمد إيدك على أخوك عشان واحدة طلقتها؟” أحمد لف لها: “واحدة؟” وصوته ارتفع لأول مرة في وش أمه: “دي كانت مراتي أربع سنين!” سعاد صرخت: “وأنا أمك!” قال: “وكونك أمي يديكي الحق تاخدي فلوسها؟” سعاد سكتت.
أحمد سألها: “كنتي ناوية ترجعي الـ258 ألف إمتى لو العربية اتدفعت؟” قالت: “بعدين.” سألها: “إمتى بعدين؟” قالت: “لما ربنا يفرجها.” أحمد ضحك بمرارة: “يعني عمرها ما كانت ناوية ترجعهم.” دخل أوضته. وبعد حوالي ربع ساعة خرج ومعاه مفتاح عربيته. قال لمحمود: “عربيتك القديمة لسه معاك؟” قال: “أيوه.” قال أحمد: “هتبيعها.” محمود فتح بقه: “إيه؟!” قال أحمد: “وهترجع كل جنيه أخدته.” سعاد وقفت قدامه: “محدش هيبيع حاجة!” أحمد بص لها: “تمام.” طلع موبايله: “يبقى أنا هقول لندى تبدأ الإجراءات.”
وفجأة… محمود اتغير وشه: “استنى.” أحمد بصله. محمود بلع ريقه: “موضوع المحاكم ده مش هينفع.” سأله: “ليه؟” محمود بص لأمه. وسعاد لأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينيها. أحمد حس إن فيه حاجة أكبر: “إيه اللي مخبيينه؟” محدش رد. صرخ: “إيه اللي حصل؟!” محمود قال بصوت واطي: “الفلوس مش 117 ألف بس.” الصمت وقع على البيت. أحمد قرب منه ببطء: “يعني إيه؟” محمود بص للأرض: “فيه فلوس تانية اتسحبت كاش.” أحمد حس إن رجليه مش شايلينه: “كام؟” سعاد صرخت: “اسكت يا محمود!” لكن أحمد مسك أخوه من كتفه: “كام؟!” محمود رفع عينه: “حوالي… 90 ألف كمان.”
أحمد سابه. بقى واقف مكانه مش قادر يتكلم. 117 ألف تحويلات. 90 ألف سحب نقدي. ومبارح كانوا على بعد ثواني من أخذ 258 ألف كمان. يعني لو ندى ماوقفتش الكارت… كان إجمالي اللي أخدوه أو حاولوا ياخدوه منها يقرب من نص مليون جنيه. أحمد بص لأمه. وفي اللحظة دي فهم حاجة مرعبة. ندى ما خرجتش من جوازها ظالمة ليهم زي ما أمه كانت بتحاول تقنعه. ندى خرجت… بعد ما عيلته كانت بتستنزفها قدام عينه وهو ساكت.
لكن الصدمة الأكبر ماكنتش عند أحمد. كانت عند ندى. لأن في نفس الليلة، وهي بتراجع كشف الحساب بالتفصيل، لقت عملية قديمة جدًا ماخدتش بالها منها قبل كده. تحويل بمبلغ 60 ألف جنيه. لكن المرة دي المستفيد ماكانش محمود. كان اسم شخص غريب تمامًا. ندى ضغطت على تفاصيل العملية. وبمجرد ما قرأت الاسم كاملًا… اتغير وشها. لأنها افتكرت إنها سمعت الاسم ده قبل كده. من أحمد نفسه. من حوالي سنة، لما كان بيتكلم في الموبايل وافتكر إنها نايمة. وقتها سمعته بيقول: “ماتقلقش… أمي هتتصرف في الفلوس.” ندى وقتها ما اهتمتش. لكن دلوقتي… كل حاجة بقت مختلفة.
مسكت الموبايل واتصلت بأحمد. رد من أول رنة: “ندى؟” قالت من غير مقدمات: “مين حسام الدمنهوري؟” أحمد سكت. ثانية… اتنين… ثلاثة. ندى كررت: “سألتك مين حسام الدمنهوري؟” نَفَس أحمد اتغير. ثم قال جملة خلت ندى تقف من مكانها: “إنتِ عرفتي الاسم ده منين؟” ندى بصت لكشف الحساب قدامها. وقالت: “لأن أمك حولتله 60 ألف جنيه من فلوسي.” وسكتت لحظة قبل ما تضيف: “وأظن إنك المرة دي عارف السبب كويس.” أحمد ما ردش. لكن صمته كان كفاية. ندى فهمت إن حكاية كارت المرتب… لسه ما بدأتش أصلًا.




