روايات وقصص

لقاء في الطائرة..

«بعد مرور ثلاث سنوات على إعلان وفاة زوجي، أشار ابني ذو التسعة أعوام إلى رجل غريب يركب في درجة رجال الأعمال، وهمس بصوت مرتجف: “أمي… هذا أبي!” ظننتُ أن الحزن والتخيلات يداعبان عقله الصغير—حتى ألمحتُ الندبة المميزة على ظهر يد الرجل. الندبة ذاتها التي لا يمكن أن يحملها أحد غير زوجي، وكان يجلس بجوار امرأة أخرى وكأننا لم نكن يوماً في حياته.

 

على مدار ثلاث سنوات، عشتُ مرارة الترمل.

أو هذا ما أجبرتُ نفسي على تصديقه.

اسمي سارة، ومنذ اليوم الذي اختفى فيه زوجي طارق خلال عاصفة بحرية عاتية قبالة سواحل الإسكندرية، وأنا أحمل ثقل وداع لم أتمكن من قوله أبداً. عثرت خفر السواحل على بقايا حطام، هاتف مكسور، وسترة متمزقة علقت بالحجارة، وكانت تلك أدلة كافية لإقناع العالم بأنه رحل عن دنيانا.

لكنهم لم يعثروا على جثته قط.

ورغم ذلك، أصدرت الجهات الرسمية شهادة وفاته.

باردة. رسمية. وحاسمة.

تعلمتُ أنا وابني “إياد” كيف نواصل الحياة وسط هذا الفراغ الموحش.

في سن التاسعة، أصبح إياد أكثر صمتاً مما ينبغي لأي طفل في عمره. قال طبيبه النفسي إن الصدمة غيرت طريقة رؤيته للعالم؛ حتى إنه توقف عن رسم الأبواب في بيوت تلوينه، لأنه يعتقد في قلبه أن كل باب مفتوح هو طريق لغياب شخص ما إلى الأبد.

لهذا السبب بالذات خططتُ لرحلتنا إلى دبي.

أردتُ بعض الأمل والشمس.

أردتُ أن أسمع ضحكته مجدداً.

أردتُ أسبوعاً واحداً يستطيع فيه ابني التنفس دون أن يطارد طيف أبيه كل خطوة يخطوها.

بدأت الرحلة الجوية بشكل طبيعي جداً.

وفجأة… تحطم كل شيء.

تجمد إياد فجأة في ممر الطائرة.

تصلب جسده الصغير تماماً، وغادرت الدماء وجهه حتى أصبح أبيض كالقماش.

همس بصوت مبحوح: “أمي…”

رفعتُ رأسي عن الكتاب الذي كنت أقرأه.

كانت عيناه معلقتين بالمقاعد الأمامية في درجة رجال الأعمال.

“ذلك الرجل… إنه أبي.”

خفق قلبي بحدة حتى شعرت بألم في صدري.

كدتُ أضحك من هول الصدمة؛ فالأطفال يخطئون، ويرون الوجوه المألوفة في كل مكان… هذا ما حاولتُ إقناع نفسي به.

لكن إياد لم يحرف نظره لحظة واحدة.

كرر همسه بنبرة قاطعة: “الرجل الذي يرتدي القبعة… أمي، أنا متأكد أنه هو.”

سرت قشعريرة باردة في جسدي.

تتبعتُ اتجاه نظراته.

كان هناك رجل يجلس في الصف الأخير من درجة رجال الأعمال، وإلى جواره امرأة أنيقة ترتدي ثوباً أبيض. كان يضع نظارات شمسية وقبعة، ولحية معتنى بها بدقة.

كان يبدو غريباً تماماً.

أو على الأقل، هذا ما كان يفترض أن يكون عليه.

وفجأة… مدّ يده ليتناول كأساً.

وهناك رأيتها!

الندبة.

ندبة متعرجة واضحة على ظهر يده اليسرى.

الندبة ذاتها التي أصيب بها طارق أثناء إصلاحه لمرسى القارب في إحدى عطلاتنا الصيفية. أتذكر تماماً كيف ضمّدتُ ذلك الجرح بنفسي بينما كان يضحك ويخبرني أن كل ندبة تحمل خلفها حكاية.

تجمدت الدماء في عروقي.

همستُ بذهول: “لا… مستحيل.”

وفجأة، أدار الرجل رأسه ببطء.

ولثانية واحدة مرعبة، التقت أعيننا من فوق إطار نظارته الشمسية… وكانت نظرة الرعب والمفاجأة في عينيه كافية لتخبرني أنه عرفني أيضاً.»

توقف كأسه في منتصف الطريق إلى فمه.

واستمرت المرأة الأنيقة التي بجانبه في الحديث، غير مدركة أن “الميت” قد نظر للتو مباشرة إلى عائلته التي تركها وخلفها وراءه.

ثم أدار الرجل وجهه بعيداً.

ليس ببطء.

ولا بعفوية.

بل أمال وجهه بسرعة نحو النافذة وكأن السحاب في الخارج أصبح فجأة أمراً مثيراً للإهتمام.

بدأت يداي ترتجفان.

همست لإياد: “ابقَ هنا”.

أمسك بكمي بقوة: “أمي، لا تتركيني”.

“سأبتعد بضع خطوات فقط.”

“لا،” انكسر صوته، “ماذا لو اختفى مجدداً؟”

وقعت كلماته عليّ كالصاعقة.

أمسكت بيده وعدت به نحو مقاعدنا، ولكن بدلاً من الجلوس، ضغطتُ على زر استدعاء المضيفة.

أقبلت إحدى المضيفات بابتسامة عملية: “هل كل شيء على ما يرام؟”

حاولت الحفاظ على ثبات صوتي: “الرجل في الصف الأخير من درجة رجال الأعمال… صاحب القبعة. هل يمكنك إخباري باسمه؟”

تغيرت ملامحها فوراً: “أعتذر منكِ يا سيدتي، لا يمكننا الإفصاح عن بيانات المسافرين.”

“أعتقد أنه زوجي.”

رمشت بذهول.

“زوجي أُعلنت وفاته رسمياً قبل ثلاث سنوات.”

نظرت المضيفة نحو درجة رجال الأعمال ثم عادت تنظر إليّ: “أفهم أن هذا الأمر محزن، لكنني لا أستطيع…”

“أرجوكِ.” سحبت هاتفي بأصابع ترتجف فتحت صورة قديمة.

كانت تظهر طارق وهو يقف في حديقة منزلنا، يضحك بينما يجلس إياد على كتفيه. كان شعره أقصر حينها، ولم تكن لديه لحية، لكن ملامحه لا يمكن أن تخطئها عين.

تأملت المضيفة الصورة، وزالت ابتسامتها الدبلوماسية، ثم نظرت نحو الرجل مجدداً، وقال بهدوء: “أرجو منكِ البقاء في مقعدكِ.”

مشت للأمام واختفت خلف الستارة الفاصلة.

جلستُ بجوار إياد الذي كان شاحباً وشديد التوتر.

همس: “إنه هو.”

ضممته إلى صدري: “أعلم.”

كانت هذه أول مرة أقول فيها هذه الكلمات بصوت عالٍ. وفي اللحظة التي نطقت بها، تحول حزن ثلاث سنوات إلى شيء جديد تماماً… تحول إلى غضب عارم.

تذكرتُ مراسم العزاء.

التابوت فارغ.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى