روايات وقصص

لقاء في الطائرة..

الصورة الموضوعة في إطار محاط بالزهور البيضاء.

تذكرتُ والدته وهي تنهار بين ذراعي عندما طلب منا الشيخ الصبر والاحتساب.

تذكرتُ المعاملات الرسمية وتوقيع الأوراق وأنا أرتجف، وتذكرت إياد عندما يستيقظ في منتصف الليل ليسألني إن كان والده قد شعر بالخوف لحظة الغرق، وتذكرتُ بيع منزلنا القريب من البحر لأننا لم نعد نتحمل صوت الأمواج ولا العواصف.

كل ذلك الألم…

كل تلك الدموع…

وكان طارق على قيد الحياة!

يجلس في درجة رجال الأعمال، يرتدي نظارة شمسية فاخرة، بجوار امرأة أخرى!

فتحت الستارة، وعادت المضيفة مع أحد أفراد طاقم الطائرة.

قالت بصوت خفيض: “سيدة سارة… المسافر يسافر تحت اسم (دانيال).”

لم يعنِ لي الاسم شيئاً، لكن ملامح وجهها كانت تؤكد أنها هي الأخرى لم تصدق ادعاءه.

وأضاف الموظف: “لقد قدم وثائق إثبات شخصية رسمية، ولا يمكننا إجباره على التحدث إليكِ.”

“إذن أسألوه لماذا يحمل نفس الندبة التي على يد زوجي؟”

خفضت المضيفة صوتها: “هو يقول إنه لا يعرفكِ.”

أصدر إياد صوتاً مكسوراً.

وقفتُ قبل أن يتمكن أحد من إيقافي، فرفع الموظف يده: “سيدتي، عليكِ البقاء في مقعدكِ.”

“لا!”

“سيدة سارة…”

“ابني عاش ثلاث سنوات يعتقد أن والده مات غرقاً! ذلك الرجل أدار رأسه ورآنا وركبه الرعب! لن أجلس هنا وأتظاهر أن كل شيء طبيعي!”

بدأ العديد من المسافرين القريبين منا يتابعون الموقف، وظهرت الهواتف، وسرت الهمسات في الكابينة.

التفتت المرأة ذات الشعر الأشقر في درجة رجال الأعمال، وتحولت نظراتها مني إلى إياد، ثم إلى الرجل الذي بجانبها، ورأيت الحيرة ترتسم على وجهها.

ناديت بأعلى صوتي: “طارق!”

لم يتحرك الرجل.

“طارق!”

تصلبت كتفاه… وكان ذلك كافياً.

التفتت المرأة الأشقر نحوه بالكامل: “دانيال؟”

مال نحوها وقال شيئاً لم أتمكن من سماعه، فابتعدت عنه وقوقالت: “من هذه؟”

لم يجيبها.

تقدمتُ نحو الستارة، فاعترض الموظف طريقي: “سيدتي، أرجوكِ اجلسي الآن.”

“زوجي يقف هناك!”

“أنتِ تسببين إزعاجاً للمسافرين.”

“زوجي الميت يقف هناك!”

خرجت الكلمات مني كالصاروخ، فعمّ الصمت الطائرة بأكملها.

وأخيراً… وقف طارق.

خلع نظارته الشمسية.

وتوقف الزمن!

تغيرت ملامحه بسبب اللحية، وخسارته لبعض الوزن، والتجاعيد الخفيفة حول عينيه جعلته يبدو أكبر سناً… لكنه كان هو!

العيون ذاتها.

الانحناءة ذاتها في أنفه.

والأثر الصغير في حافبه الأيمن إثر حادثة دراجة في طفولته.

حدّق فيه إياد: “بابا؟”

نظر طارق إلى ابننا. ولثانية واحدة، انكسر شيء بشري في ملامح وجهه… ألم، تمييز، ورائحة حب قديم.

ثم اختفى كل شيء.

قال بصوت جاف: “اسمي دانيال.”

بدأ إياد بالبكاء، ليس بصوت عالٍ… بل كان يبكي بصمت وتتساقط الدموع على خديه وهو ينظر إلى الأب الذي علّمه يوماً كيف يركب الدراجة، والحديث عن المستقبل، ووعده ألا يفوت عيد ميلاده أبداً.

همس إياد: “لقد قلت إنك ستعود…”

تشنج وجه طارق.

وقفت المرأة: “ما الذي يحدث هنا؟”

أمسك ذراعها: “فاطمة، اجلسي.”

دفعت يده: “من هذا الطفل؟”

“إنه متلخبط.”

صرخ إياد: “أنا لستُ متلخبطاً!”

تدخل أفراد الطاقم بيننا، بينما كانت فاطمة تنظر إلى طارق برعب متزايد: “دانيال، أجبني!”

جاء صوت الكابتن عبر مكبرات الصوت يطلب من الجميع الالتزام بمقاعدهم بسبب مطبات جوية متوقعة.

أعادتني المضيفة للوراﺀ، وظلت فاطمة واقفة تنظر إلى إياد، ثم نظرت إلى الصورة التي ما زالت معروضة على شاشة هاتفي، وفغرت فمها من الصدمة.

تحدث طارق بسرعة: “فاطمة، هذه صورة قديمة، أستطيع الشرح…”

“كم عمر هذه الصورة؟”

لم يجب.

“كم عمر هذا الولد؟”

قلتُ لها: “تسع سنوات.”

نظرت فاطمة إلى طارق: “لقد أخبرتني أنك لم تتزوج ولم تنجب من قبل!”

أغمض عينيه.

اهتزت الطائرة وهز الجرس المنذر، وأمرتنا المضيفة بحزم بالجلوس.

عدتُ إلى مقعدي لأنني لم أستطع المخاطرة بسلامة إياد، لكنني أبقيت عينيّ على الستارة.

اختفى طارق خلفها، واختفت فاطمة أيضاً.

طوال الدقائق الأربعين التالية، لم يتكلم إياد كلمة واحدة. انكمش على نفسه بجوار النافذة، ممسكاً ببوصلة فضية صغيرة كان طارق قد أهداها له في عيد ميلاده السادس، وكان يحملها معه في كل مكان.

كان الحفر على ظهرها يقول: «إلى إياد… حتى تجد طريقك إلى المنزل دائماً. مع حبي، والدك.»

كرهت طارق بسبب تلك البوصلة الآن. كرهته على كل وعد تركه خلفه وغدر به.

اهتز هاتفي. وصلتني رسالة من رقم مجهول:

(لا تقتربي مني عند الهبوط. الأمر أكثر تعقيداً مما تفهمين).

حدقتُ في الشاشة، ثم ظهرت رسالة أخرى:

(من أجل سلامة إياد، تظاهري بأنكِ أخطأتِ في التعرف علي).

ادعاني الخوف مجدداً، فكتبتُ له:

(هل تهدد ابنك؟)

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى