
صُدمت صباح من هذا الجبروت، وتراجعت خطوة للخلف وهي تنظر لنادية بذهول وعدم تصديق. لم تمد يدها لتأخذ الـ 500 جنيه الملقاة على الطاولة بهوان. التفتت صباح وخرجت من الشقة وهي تجر أذيال الخيبة والدموع تحرق وجنتيها، لكن في رأسها بدأت تدور آلاف الشكوك.. كيف لشقيقها شريف الكريم، الذي يحب ابنها كابنه، أن يترك زوجته تذلها من أجل جنيهات معدودة؟ هل يعلم شريف بما تفعله نادية؟ أم أن هناك سراً كبيراً تخفيه هذه الزوجة المستبدة؟
## الجزء الثاني: الشكوك تشتعل
نزلت “صباح” درجات السلم بخطوات ثقيلة، كانت الدموع المعلقة في عينيها تحجب عنها الرؤية، لكنها لم تكن دموع انكسار فقط، بل كانت مزيجاً حارقاً من القهر والكرامة المجروحة. خرجت إلى الشارع اللاهب، وصوت “شخللة” الذهب في يد “نادية” ما زال يرن في أذنيها كأنه سوط يجلد كبرياءها.
أخرجت هاتفها المحمول القديم، ونظرت إلى الشاشة المخدوشة. فكرت لثوانٍ أن تتصل بشقيقها “شريف” مباشرة لتصرخ في وجهه وتسأله كيف يترك زوجته تذلها بهذا الشكل، لكنها تراجعت. شريف مغترب، ويعمل ليل نهار ليرسل هذا المال، ولطالما كان نعم الأخ قبل سفرة. هل من الممكن أن يكون شريف يرسل لها مبلغاً أكبر، ونادية تقطتع منه وتعطيها الفتات؟ أم أن شريف استسلم لجبروت زوجته ونسى أخته وأولادها؟
في الشقة الفاخرة، كانت نادية تجلس على أريكتها المريحة، تجمع الأوراق النقدية من على الطاولة الرخامية بابتسامة تشفي. وضعت الـ 500 جنيه في حقيبتها، ثم نظرت إلى غوايشها الذهبية وهي تحرك يدها وتهمس لنفسها:
— “قال علميه أحسن علام قال! هو فاكر الفلوس بتيجي في الساهل؟ أنا أولى بكل قرش يدخل البيت ده عشان مأمن مستقبل عيالي.. والـ 500 جنيه كتير عليها وعلى ابنها.”
قاطعت أفكارها رنة هاتفها المميزة. كان المتصل هو “شريف”. عدلت نادية من جلستها، ورسمت على وجهها نبرة صوت ناعمة ومجهدة مصطنعة قبل أن تجيب:
— “أهلاً يا حبيبي، وعليكم السلام.. طمني عنك؟ وحشتنا قوي يا شريف.”
جاء صوت شريف عبر الهاتف متعباً لكنه يحمل دفئاً حقيقياً:
— “الحمد لله يا نادية، الشغل ماشي تمام. المهم إنتي والأولاد بخير؟ قوليلي، الحوالة وصلتلك كاملة أول الشهر؟ الـ 2300 دولار؟”
ردت نادية بسرعة:
— “آه طبعاً يا حبيبي وصلت، كتر خيرك يا بو العيال، ربنا يوسع عليك ويرزقك برزقنا.”
تنحنح شريف وقال بنبرة اهتمام زائدة:
— “الحمد لله.. طيب يا نادية، كلمتي صباح أختي؟ أنا كنت قايلك من الشهر اللي فات تزودي المبلغ اللي بتروحيلها بيه. أحمد ابنها داخل ثانوية عامة، وأنا واعدها إني هشيل حمل علامة بالكامل. طمنيني، اديتيها الـ 1500 جنيه بتوع الشهر ده ومعاهم الـ 500 الزيادة عشان طقم المدرسة اللي قالي عليه؟”




