من تاكسي بدأت الحكاية
خير وشك كده وش أفكار كبيرة.
قالت
أنا عايزة أكمل دراسات عليا.
بص لها وقال
وإيه اللي يمنع أنا أول واحد هشجعك.
يعني مش هتزعل إني هكون مشغولة شوية
هو أنا اتجوزتك علشان تحبسي نفسك أنا اتجوزتك علشان أكون سندك مش قيدك.
مرت الأيام وأحمد كان بيرجع من
الشغل يلاقي البيت فيه ريحة نغم مش بس أكلها لا فيه روحها كتبها وشغلها على المكتب ودفتر صغير فيه ملاحظاتها من الكورسات اللي بتاخدها.
وكانت كل شوية تحكيله
النهاردة الدكتورة قالتلي إن بحثي من أحسن المشاريع اللي اتقدمت.
ماهو طبيعي انتي مراتي.
وإنت شايف كده يعني
ده أقل من حقي عليكي انتي شرف ليا مش بس زوجتي.
في يوم جمعة صحوا متأخر والجو كان دافي والشمس داخلة من الشباك.
أحمد بص لنغم وهي بتقلب القنوات وقال
عاوز أحكيلك حاجة بس مش دلوقتي.
قالت له
ليه خفت
رد وهو بيضحك
لا بس محتاج أستنى اللحظة الصح علشان أقولك الخبر في وقته.
فضلت وراه لحد ما ضحك وقال
أنا اشتريت أرض صغيرة في الضواحي وناوي أبني فيها بيت لينا بعيد عن دوشة المدينة بيت على مزاجنا حديقة صغيرة وغرفة مكتب ليكي ومطبخ تحرقي فيه الأرز براحتك.
قالت له وهي مش مصدقة
بيت! يا أحمد بجد
قال
أيوه بجد مش عايزنا نفضل طول عمرنا محصورين في عمارة وسط الزحمة. عايز نعيش براحتنا نغرس شجرة سوا ونربي قطة ونفطر برة في الشمس.
نغم ضمته وقالت
أنا مش مصدقة إن ده كله بقى حقيقي.
أحمد مسك وشها وقال
أنا اللي مش مصدق إني لقيتك واللي جاي أحلى بكتير.
أسبوع ورا أسبوع وأحمد بدأ فعليا يشتغل على مشروع البيت الجديد.
أرض هادية على أطراف المدينة فيها نسمات صيف من غير زحمة وسماء صافية من غير أبراج.
كان كل يوم بيروح يشوف العمال ويتابع التصميمات بنفسه ونغم كانت ساعات تروح معاه شايلة شنطتها ودفترها تقعد على كرسي بلاستيك جنب التراب وتحكيله أفكارها
أنا عايزة أوضتي فيها نور طبيعي كتير وشباك كبير يطل على الحديقة.
وعايزة المطبخ يكون مفتوح على الصالة علشان نفضل نشوف بعض واحنا بنشتغل.
ضحك أحمد وقال
يعني أطبخ وأنا شايفك وأنتي تحرقي الأكل وأنا باشهد
قالت له وهي بتضحك
كل مرة وهتفضل تفتكر أول طبق! مش قلتلك خلاص اتعلمت
آه بس لسه محتاجة تدريب عملي أكتر وأنا جاهز أضحي.
مرت شهور والبيت بدأ يبان شكله ونغم
كانت بتصور كل حاجة أول حيطة اتبنت أول بلاطة اتفرشت أول وردة اتزرعت.
وفي يوم كانت الشمس نازلة والعمال خلاص مشيوا أحمد وقف مع نغم في نص الأرض وبص حواليه وقال
شوفت المكان ده كان تراب ودلوقتي بيبقى بيتنا.
نغم بصت له وقالت
المكان بقى جميل بس لوحدك كان هيبقى مجرد بيت. معاك بقى وطن.
سكت لحظة وبص في عينيها وقال
أنا فخور بيكي. فخور بإنك بقيتي مراتي وبإنك بتحبي تبني مش بس تستني.
رجعوا في يوم من زيارة موقع البيت لقوا رسالة على الباب.
رسالة من أهل سمر.
كان فيها كلام بسيط مختصر بيقولوا إنهم عرفوا اللي حصل وإنهم بيعتذروا بالنيابة عنها وإنهم مكسوفين من اللي عملته.
نغم قرأت الرسالة وسكتت شوية وبعدين قالت
أنا مش هرد بس هدعي لها. رغم كل حاجة ربنا هو اللي بيحاسب مش إحنا.
أحمد بص لها وقال
عشان كده بحبك لأن قلبك عمره ما اتغير حتى بعد كل الألم.
مرت الأيام والبيت بقى على وشك يخلص.
جابوا الأثاث فرشوا كل أوضة بإيدهم نغم اختارت ألوان الستائر وأحمد ركب النجف بنفسه وساعتها قالت له
يعني مهندس وصاحب شركة وبتركب نجف
رد وهو فوق السلم
المهم النور يبقى عليكي مش عليا أنتي اللي منورة البيت.
وفي يوم أحمد دخل أوضة المكتب لقى نغم قاعدة بتكتب ووشها كله تركيز.
قال لها
ممكن أعرف إيه اللي واخدك مني كده
قالت وهي بتضحك
بحث التخرج بتاعي في الماجستير قربت أخلصه.
سكت شوية وقال
لما تخلصي هنعمل حفلة بس مش حفلة علمية حفلة حب. لأنك لما تحقق حلمك يبقى ده نجاحي أنا كمان.
بيتهم اتبنى على المحبة مش بس على الطوب والأسمنت.
فيه صوت ضحكهم ريحة أكلهم دفاتر نغم وموبايل أحمد اللي دايما بيسجل لحظات حلوة من غير ما تعرف.
عدت سنة سنة كاملة من الجواز فيها كل الألوان.
ضحك خلافات صغيرة مصالحات أكبر وتفاصيل يومية مايحسهاش غير اللي بيحب بصدق.
أول سنة كانت أشبه برحلة تعليم
مش عن الطبيخ ولا الغسيل لكن عن إزاي تحافظ على اللي بينك وبين اللي بتحبه وسط الزحمة والمسئوليات
وتقل الشغل.
نغم في أول السنة كانت بتحاول تتأقلم على فكرة إنها مش لوحدها
كل قرار مش بس ليها كل خطوة محسوبة علشان حياة اتنين.
أما أحمد فكان شايف في نغم شريكة عمر حقيقية.
كل يوم كان بيكتشف فيها حاجة جديدة
حبها للقراءة هدوءها وهي بتكتب خجلها وهي بتحاول تخبي ضحكتها بعد نكتة سخيفة منه.
في يوم كان الجو شتا والدنيا بتمطر والبيت ريحته قهوة ودفا.
أحمد رجع من الشغل لقى نغم قاعدة وسط بطانية واللابتوب على رجلها وبتكتب في بحثها.
قال لها
هو الجو ده محتاج دراسة ولا محتاج غمر
ضحكت وقالت
لو جبتلي شوكولاتة ممكن أوافق على الغمر.
راح جاب الشوكولاتة وقعد جنبها وابتدا يحكي لها عن الشغل.
كان فيهم حاجة حلوة دايما بيكملوا كلام بعض كأنهم حافظين أرواح بعض عن ظهر قلب.
بس ماكنتش الحياة كلها وردي.
ساعات أحمد كان بيرجع مرهق ومش قادر يتكلم.
وساعات نغم كانت بتتضايق من ضغط المذاكرة وتحس إنها عايزة تنام يومين ورا بعض.
لكن الفرق كان في النية.
كانوا بيتخانقوا أحيانا لكن عمرهم ما باتوا زعلانين.
كان في قاعدة بينهم
ممنوع النوم وإحنا متخاصمين.
في مرة أحمد اتضايق وقعد في أوــ,,ــضة المكتب ساكت ومش بيرد.
نغم راحت له بعد ساعة وقعدت جنبه وقالت
عارف لو كنت زعلان مني كفي بإيدك عادي بس ماتسيبنيش أنام وزعلنا بينا.
بص لها وقال
أنا بس كنت محتاج أفكر مش زعلان منك أنا بحبك أوي ويمكن ده اللي بيخليني ساعات أخاف أتكلم.
قالت له
اتكلم على طول حتى لو غلط إحنا بنتعلم من بعض.
وفي يوم كانت نغم عاملة مفاجأة لأحمد.
علقت صور من باريس وطبعت صورة البيت وهم لسه بيبنوه وحطت قدامهم تورتة صغيرة مكتوب عليها
سنة عدت… ولسه الحب في أوله.
أحمد أول ما دخل وشاف وقف مبهور وقال
هو إنتي بتتعلمي الحنية دي منين
قالت
منك أنا مرايتك لما بتكون طيب ببقى أنا أطيب.
أول سنة علمتهم إزاي البيت مش بس مكان البيت هو اللي بيكون جواه.
الحب مش وردة وشعر الحب هو لما تسيب آخر قطعة كيك للي بتحبه ولما تسيبه ينام ع الكرسي علشان ما تصحيهوش.
الحب هو إنك تقف جنبه مش وقت الفرح بس لكن وقت ما يحس إنه واقع.
نغم خلصت بحثها في الماجستير وقدمته واتفاجئت إنهم رشحوها للسفر
في منحة علمية قصيرة.
راحت لأحمد وقالت له
أنا محتارة السفر أسبوعين بس مش قادرة أتخيل إني أبعد عنك المدة دي.
قالها بابتسامة هادية
وهو أنا همنعك دي خطوة في طريق حلمك وأنا طول عمري نفسي أشوفك في المكان اللي تستاهليه.
روحي وارجعي لي بأفكار جديدة وحكايات أكتر نحكيها سوا.
سافرت وكل يوم كان بينهم مكالمة ضحكة دعوة ووحشتيني من القلب.
ولما رجعت أحمد كان مستنيها في المطار ومعاه وردة واحدة بس.
قال لها
معرفتش أستنى أكتر من كده البيت من غيرك كان ناقص.
رجعت نغم من السفر وكل حاجة في البيت كانت زي ما هي بس جواها كانت حاجات كتير اتغيرت.
رجعت بعين مختلفة وعقل أوسع وحلم بقى أكبر.
ولما دخلت من باب البيت حست إن أحمد هو أول نقطة أمان رجعت لها.
أول يوم بعد السفر قعدوا مع بعض وكان أحمد مجهزلها عشاء بسيط بس كله ذوق.
سألها
السفر علمك إيه
قالت
علمني إنك لما تسيب وراك حد بيحبك بصدق تفضل دايما مستني اللحظة اللي ترجعله فيها… وإنك لما تكبر حلمك لازم يكبر معاك بس من غير ما يبعدك عن الناس اللي بيحبوك.
رد وقال
يعني كده هتكتبي كتاب عن الرحلة
قالت
كتاب! لا ده أنا ممكن أكتب مجلد عنك أنت بس.
ضحكوا سوا وبدؤوا يحكوا لبعض عن الأسبوعين اللي فاتوا كأنهم بيحكوا عن غياب سنة
مرت كام شهر وأحمد كان شغله بيتوسع والنمو في شركته كان بيكبر.
فتح فرع جديد وبدأ يجهز لفريق إداري أقوى وبقى فيه مسئوليات أكتر وضغط أكبر.
في نفس الوقت نغم بدأت تشتغل محاضرة مساعدة في الجامعة وكانت مبسوطة إنها بتحقق حلمها وتحس بقيمتها وسط الناس.
بس زي أي اتنين في بداية نجاحهم بدأت الحياة تاخدهم.

