
لكن فجأة، جرانت رفع موبايله تاني، وقال بصوت عالي:
محدش يتحرك! الفيديو ده هينزل النهارده، وهنشوف مين فينا اللي هيضحك في الآخر!
وبعدين بصّلي بابتسامة باردة وأضاف:
وبالمناسبة يا مدام بينيت… أنا عندي مفاجأة ليكي. بكرة الصبح، هتعرفي إن الشارع ده مش واسع كفاية لينا إحنا الاتنين.
الكلام ده خلّاني أبصّله بتركيز لأول مرة.
لأن نبرة صوته مكنتش نبرة أب بيدافع عن ابنه وبس.
كان بيتكلم كأنه مجهّز لحاجة أكبر بكتير من مجرد فيديو منافسة.
ولما رجع عربيته، سمعت فرانك بيهمسلي:
كلير… لازم أحذرك من حاجة. جرانت مش أول مرة يحاول يضر حياة حد وقف في طريقه.
وبعدين مد إيده لجيبه، وطلع ظرفًا بنيًّا قديمًا.
الظرف ده وصلني من أسبوع. وكنت مستني اللحظة المناسبة عشان أديهولك… بس بعد اللي شوفته النهارده، مفيش وقت للتأجيل.
فتحت الظرف، وأول ما شفت الصورة اللي جواه، حسّيت إن كل حاجة في الشارع اختفت من حواليا.
لأن الصورة مكنتش للوجان.
كانت لابني نوح… واقف قدام مدرسته، وجنبه جرانت وايتمور!
وتحت الصورة، كان فيه سطر مكتوب بخط إيد غريب:
لو عايزة تحمي ابنك، لازم تعرفي إيه اللي جاب جرانت للحي ده من الأساس.
يتبع…
فضلت باصة للصورة اللي في إيدي، وحسّيت ببرودة بتجري في جسمي، رغم إن شمس كولورادو كانت لسه قوية.
نوح واقف قدام مدرسته، شايل شنطته على كتفه، وجرانت واقف جنبه وبيتكلم معاه بابتسامة!
لكن ابني عمره ما قالي إنه قابل جرانت قبل كده، وخصوصًا إنه كان دايمًا بيبعد عنه بسبب تصرفات لوجان.
رفعت عيني ناحية فرانك وسألته بصوت هادي، رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة:
مين اللي بعتلك الظرف ده؟
فرانك هز راسه وقال:
معرفش. لقيته قدام باب بيتي من أسبوع، ومن غير اسم أو عنوان. في الأول افتكرت إنه مجرد تحذير تافه، لكن لما شوفت الصورة، قررت أستنى وأتأكد من اللي بيحصل.
قلبت الصورة على ضهرها.
كان فيه تاريخ مكتوب بالقلم، من حوالي شهرين.
يعني جرانت كان قريب من مدرسة نوح قبل ما ابنه يبدأ يستفزني في الشارع!
حطيت الصورة في الظرف، وقلت لفرانك:
محتاجاك متقولش لحد إنك وريتهولي. ولا حتى لجيراننا.
هز راسه بالموافقة، لكن قبل ما أتحرك، سألني:
كلير، إنتِ فاكرة إن الموضوع ليه علاقة بخدمتك في الجيش؟
بصّيتله مباشرة.
مش عارفة. بس لو حد بيحاول يقرب من ابني لأي سبب، أنا مش هتجاهل الموضوع.
رجعت البيت، وقفلت الباب، ولقيت نوح قاعد على الكنبة، ولسه لابس هدوم المدرسة.
أول ما شافني، قام بسرعة وسألني:
ماما، إنتِ كويسة؟ أنا سمعتهم وهما بيتخانقوا بره.
قعدت جنبه، وحطيت الظرف على الترابيزة، وقررت أسأله من غير ما أخوفه.
حبيبي، إنت قابلت جرانت وايتمور قبل كده؟
وشه اتغير.
التغيير كان بسيط، لكنه كان كفاية إني آخد بالي.
بصّ للأرض، وفرك إيديه في بعض، وبعدين قال:
أنا… شوفته مرة واحدة.
حسّيت إن قلبي وقع.
إمتى يا نوح؟
بلع ريقه، ورد بصوت واطي:
من حوالي شهرين. كنت خارج من المدرسة، وهو كان واقف عند البوابة. قال إنه جارنا، وإنه عايز يسألني سؤال عنك.
حاولت أحافظ على هدوئي.
سألك عن إيه؟
نوح رفع عينيه ليا، وقال:
سألني إذا كنتِ بتشتغلي في الجيش فعلًا، وإذا كنتِ بتسافري كتير زمان. ولما قلتله إني معرفش تفاصيل شغلك، اداني كارت وقاللي لو احتجت أي مساعدة في المستقبل، أكلمه.
وإنت أخدت الكارت؟
هز راسه.
أيوه، بس رميته في سلة المهملات أول ما رجعت البيت. مكنتش مرتاحله، ومكنتش عايزك تزعلي إني كلمته.
ضمّيت إيده بين إيديا وقلتله:
إنت معملتش حاجة غلط يا حبيبي. بالعكس، أنا فخورة إنك قلتلي الحقيقة.
وبعدين سألته أهم سؤال:
هو هددك؟ أو طلب منك تخبي عني أي حاجة؟
نوح فكر شوية، وبعدها قال:
لأ. بس قبل ما يمشي، قاللي إن فيه ناس بتفتكر إن الماضي بيموت لما الواحد يسيب شغله، وإنه نفسه يشوف إذا كنتِ لسه نفس الشخص اللي كان زمان.
الجملة دي خلتني أسكت تمامًا.
لأنها مكنتش مجرد كلام عابر.
كانت رسالة متعمدة.
جرانت كان بيدور ورا ماضيّا، وكان بيحاول يوصل لابني قبل ما يواجهني أنا.
لكن السؤال اللي مكنتش لاقية له إجابة كان هو عايز إيه بالضبط؟
في الليلة دي، استنيت لحد ما نوح نام، وبعدها طلعت صندوقًا معدنيًا قديمًا من الدولاب.
الصندوق كان فيه حاجات احتفظت بيها من خدمتي صور قديمة، أوراق رسمية، وميداليات مكنتش بطلعها من مكانها إلا نادرًا.
فتحت ملف خدمتي، وبدأت أراجع التواريخ.
على مدار أكتر من عشرين سنة، خدمت في وحدات مختلفة، وشاركت في عمليات صعبة، ووصلت في النهاية لقيادة قوات ضمن الفوج الخامس والسبعين للرينجرز.
لكن قبل ما أستقر في كولورادو، كان فيه ملف واحد فضلت أتجنّب التفكير فيه لسنين.
ملف عملية قديمة اتعرضت خلالها مجموعة من جنودي لخطر شديد بسبب تسريب معلومات سرية.
أنا وقتها اتخذت قرارًا صعبًا لحماية فريقي، والعملية انتهت، والتحقيقات الرسمية اتقفلت، وكل واحد رجع لحياته.
على الأقل، ده اللي كنت فاكرة إنه حصل.
فتحت الملف القديم، وراجعت أسماء الأشخاص اللي ارتبطوا بالتحقيق.
وفجأة، عيني وقعت على اسم خلاني أرجع بضهري للكرسي.
جرانت وايتمور.
مكانش جندي، ولا كان جزءًا من وحدتي.
لكنه كان مرتبطًا بشركة مدنية قدّمت خدمات لوجستية خلال الفترة اللي سبقت العملية.
والأغرب من كده إن اسمه ظهر في ملحق قديم متعلق بمراجعة عقود الشركة، وبعدها اختفى من الأوراق اللي كانت متاحة ليا.
قعدت أبصّ للاسم وأنا بحاول أفتكر التفاصيل.
هل كان جرانت مجرد رجل أعمال اتعامل مع الشركة؟
ولا كان عنده معلومات عن اللي حصل وقتها؟
ومين اللي قرر يبعت الصورة لفرانك بعد كل السنين دي؟
قبل ما أقدر أوصل لأي إجابة، سمعت صوت خبطتين على باب البيت.
بصّيت للساعة.
كانت الساعة 1147 بالليل.
قمت بهدوء، ووقفت بعيد عن الباب، وسألت:
مين؟
جالي صوت راجل من الناحية التانية:
أنا فرانك يا كلير. لازم أكلمك حالًا.
فتحت الباب بعد ما اتأكدت من هويته، ولقيته واقف ووشه شاحب، وفي إيده موبايله.
دخلته، وأول ما قفلنا الباب، وراني فيديو منشور على صفحة محلية للحي.
كان فيديو المنافسة اللي حصل الصبح.
جرانت نشره بالفعل، لكنه قصّ كل اللحظات اللي ابنه فيها حاول يتحرك ناحيتي، وخلى الفيديو يبان كأني ست متكبرة رفضت تواجه شاب رياضي.
وفوق الفيديو، كتب:
لما الغرور يخلي بعض الناس تفتكر إنهم أحسن من غيرهم!
لكن ده مكنش السبب اللي خلّى فرانك ييجي في نص الليل.




